تُعَدُّ الشركات من أهم المؤسَّسات الاقتصاديَّة التي تسهم في تحقيق النمو والتنمية من خلال إنتاج السلع والخدمات وتوفير فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد.
وقد كان الهدف التقليدي للشركات يتمثل في تعظيم الأرباح، وزيادة العائد على الاستثمار لصالح المساهمين.
إلَّا أن التطورات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والبيئيَّة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة أدَّت إلى ظهور مفهوم المسؤوليَّة الاجتماعيَّة للشركات، الذي يؤكد أن دور الشركات لا يقتصر على تحقيق الأرباح فقط، بل يمتد ليشمل المساهمة في خدمة المُجتمع وحماية البيئة، وتعزيز التنمية المستدامة.
ومن هنا برزت الحاجة إلى إيجاد توازن بين تعظيم الأرباح والالتزام بالمسؤوليَّة الاجتماعيَّة.
يُقصد بتعظيم الأرباح سعي الشركات إلى تحقيق أعلى عائد ممكن من خلال زيادة الإيرادات، وخفض التكاليف، وتحسين الكفاءة التشغيليَّة.
ويُعَدُّ الربح عنصرًا أساسًا لاستمرار الشركة ونُموِّها وقدرتها على المنافسة في الأسواق.
فالشركات التي لا تُحقِّق أرباحًا كافية قد تواجه صعوبات ماليَّة تهدد بقاءها واستمرارها.
كما يعرِّض ذلك المديرين التنفيذيين للمساءلة والمحاسبة من قبل مجلس إدارة الشركة والمؤسِّسين والمساهمين؛ فالحصول على الأرباح يُشكِّل غايةً مهمَّة لهذه الفئة، وهو المبرر الرئيس لبقاء المديرين التنفيذيين في مناصبهم.
لذلك، فإن الربحيَّة ليست هدفًا مشروعًا فحسب، بل هي ضرورة اقتصاديَّة تضمن استدامة النشاط التجاري، وتوفِّر الموارد اللازمة للتوسُّع والابتكار.
في المقابل، تشير المسؤوليَّة الاجتماعيَّة إلى التزام الشركات بمراعاة الآثار الاجتماعيَّة والبيئيَّة لأنشطتها، واتخاذ قرارات تحقق منفعةً للمُجتمع إلى جانب تحقيق المصالح الاقتصاديَّة.
وتشمل هذه المسؤوليَّة احترام حقوق العاملين، وتوفير بيئة عمل آمنة، والمساهمة في المبادرات الخيريَّة والتنمويَّة، والحدَّ من التلوُّث، وترشيد استخدام الموارد الطبيعيَّة، ودعم القضايا المُجتمعيَّة المختلفة.
ويعكس هذا المفهوم إدراكًا متزايدًا بأن الشركات جزء من المُجتمع، وأن نجاحها يرتبط بمدى قدرتها على تلبية توقُّعات مختلف أصحاب المصلحة، وليس المساهمين فقط.
يرى بعض الاقتصاديين أن هناك تعارضًا بين تعظيم الأرباح والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، حيث إن الإنفاق على البرامج الاجتماعيَّة أو البيئيَّة قد يؤدي إلى زيادة التكاليف، وتقليل الأرباح على المدى القصير.
فعلى سبيل المثال، قد تتحمل الشركة تكاليف إضافيَّة لتطبيق معايير بيئيَّة صارمة، أو لتحسين ظروف العمل، أو للمشاركة في مشاريع تنمويَّة.
ومن هذا المنطلق، يعتقد البعض أن التركيز المفرط على المسؤوليَّة الاجتماعيَّة قد يؤثر سلبًا في القدرة التنافسيَّة للشركة.
إلَّا أن هذا التصور لم يَعُدْ يحظى بالقَبول الواسع في بيئة الأعمال الحديثة.
فقد أثبتت العديد من الدراسات والتجارب العمليَّة أن المسؤوليَّة الاجتماعيَّة يمكن أن تسهم في تعزيز الربحيَّة على المدى الطويل.
فالشركات التي تلتزم بالقيم الأخلاقيَّة، وتحافظ على البيئة، وتحترم حقوق العاملين، غالبًا ما تتمتع بسمعة إيجابيَّة لدى العملاء والمستثمرين، ممَّا يؤدي إلى زيادة الثقة بمنتجاتها وخدماتها.
كما أن تَبنِّي ممارسات مستدامة يساعد على تقليل المخاطر القانونيَّة والتنظيميَّة، ويعزز ولاء الموظفين، ويرفع مستوى الإنتاجيَّة.
وتظهر أهميَّة الموازنة بين الربحيَّة والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة في قدرة الشركات على تحقيق مصالحها الاقتصاديَّة دون الإضرار بالمُجتمع أو البيئة.
فالشركة الناجحة ليست تلك التي تحقق أرباحًا مرتفعةً فقط، بل تلك التي تنجح في بناء علاقة متينة مع المُجتمع الذي تعمل فيه.
ويمكن تحقيق هذا التوازن من خلال دمج مبادئ المسؤوليَّة الاجتماعيَّة في الاستراتيجيَّة العامَّة للشركة، بحيث تصبح جزءًا من عمليَّة صنع القرار بدلًا من أن تكون نشاطًا ثانويًّا أو مؤقتًا.
ومن الوسائل التي تساعد الشركات على تحقيق هذه الموازنة الاستثمار في التقنيَّات الصديقة للبيئة، وتطوير منتجات آمنة ومستدامة، وتحسين ظروف العمل، ودعم التعليم والتدريب، والمشاركة في المبادرات المُجتمعيَّة التي تعود بالنفع على مختلف الفئات.
كما يمكن للشركات إعداد تقارير دوريَّة توضح أداءها الاجتماعي والبيئي إلى جانب نتائجها الماليَّة، بما يعزز الشفافيَّة والمساءلة أمام أصحاب المصلحة.
ولعلَّنا بحاجة إلى استخدام القاعدة الاجتماعيَّة التي تقول: خير الأمور الوسط؛ فالوسطيَّة بين تحقيق الربح وتقديم خدمات للمُجتمع، أو بمعنى آخر اقتطاع جزء من الربح لمصلحة المُجتمع ممَّا يقلِّل نسبة الأرباح المستلمة من قبل المؤسِّسين والمساهمين، أمر يتطلب قدرات إداريَّة عالية والمزيد من الجهود لزيادة الأرباح.
وفي ظل التحدِّيات العالميَّة الحاليَّة، مثل التغيُّر المناخي والفقر وعدم المساواة، أصبحت المسؤوليَّة الاجتماعيَّة عنصرًا أساسًا في تقييم أداء الشركات ونجاحها.
ولم يَعُدِ المُجتمع يقبل بأن تسعى الشركات إلى تحقيق الأرباح بأيِّ وسيلة، بل أصبح يتوقع منها أن تسهم في معالجة المشكلات الاجتماعيَّة والبيئيَّة، وأن تمارس أعمالها بصورة مسؤولة ومستدامة.
إن الموازنة بين تعظيم الأرباح والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة تُمثِّل أحَد أهمِّ التحدِّيات التي تواجه الشركات في العصر الحديث.
فالربحيَّة ضروريَّة لاستمرار الشركات ونُموِّها، لكن المسؤوليَّة الاجتماعيَّة ضروريَّة لضمانِ قَبول المُجتمع لأنشطتها واستدامة نجاحها على المدى الطويل.
ثم إن الشركات التي تتمكن من الجمع بين الأداء المالي القوي، والالتزام الاجتماعي والأخلاقي ستكون الأكثر قدرةً على تحقيق النجاح والتميُّز في بيئة الأعمال المعاصرة.
ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينيةمتخصصة في التطوع والوقف الخيري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك