أنا حزينٌ على ما آلت إليهِ الكثير من المشاهِد القادِمة مِن الولاياتِ المُتّحدة، الّتي، يرى أكثَرنا، وأقصُد هُنا أبناء الأُردن، أنّها مشاهدٌ كانَ لها الدّور الأبرز في التّسويقِ السياحيّ للأُردن.
|.
وحقيقة، وبكُلّ موضوعيّةٍ وإنصاف، أنا لا أرى أيّ شيءٍ من هذا.
إذ كُلّ ما أراه، هو أمرٌ يُمكِن أن أسمّيه "نجاة فرديّة" لمَن تواجَدَ هناكَ من الأردنيين.
وهُنا، أقدِّمُ رأيًا لا أنطلقُ فيه من موقفٍ مُتصادِم، بل رأي مليء بالتّوازُن، أحاولُ مِن خلاله أن أضعَ النُّقاط على الحُروف دونَ أن أُلغيَ/أو أهمّشَ الطرفَ المعنيّ بهذا الرأي.
صحيحٌ أنَّ بعضَ مَن سمّيوا ب"المؤثرينَ" قد نجحوا في لفتِ أنظارِ بعض الجُمهور العالميّ إلى بعضِ المعالِمٍ الأُردنيّة خلال كأس العالم.
لكن، السؤال الجوهريّ الّذي يجِب أن نطرحهُ بهدوء، هو: هل هذه الومضات السريعة، الّتي تعتَمدُ على مؤثراتٍ بصريّة وزينةٍ مُستهلَكة، تُعادِل استراتيجيّة سياحيّة مُستدامة تبنيها الوزارات والهيئات المُتخصِّصة على مدى سنوات.
|.
؟! المُقارنةُ بينهُما غير مُنصِفة.
فالأوّل عملٌ لحظيّ يرتبطُ بزمن حدثٍ عابِر، والثاني، مؤسسةٌ تتعامل مع بنيةٍ تحتيّة، وتسهيلات دخول، وخطط تسويقيّة موسميّة تمتدّ لعُقود، وكأنّنا نُقارِن بينَ غلاف كِتابٍ برّاق ومُحتواه العميق.
وفي ذات السّياق، ثمّة أمرٌ يبعَث على التأمُّل حقًا، وهو ليسَ الزّعم بنجاح مَن سُمّيوا ب "المؤثرين" وإنّما سُرعَة سُقوط جُزءٍ كبير مِن الجُمهور في فخّ التّبسيط المُفرِط، حيثُ مُنحَ أصحاب الصفةِ المُسقَطة ثقةً قد لا تُمنَح للخُبراء أو المسؤولين.
وهذا السُّقوط ليسَ انهيارًا اخلاقيًّا، بل هو انجِذابٌ للسرديّة المُشوّقة الّتي تجعلنا نرى بلدنا في موقع النجوميّة العالميّة خلال ساعات، ولكن ، الوعي الحقيقيّ يكمُن في قُدرتنا على التمييز بينَ من يُقدِّم صورة سياحيّة جاذِبة، وبينَ من يبني أُسسًا حقيقيّة لاقتصادٍ سياحيٍّ متين.
|.
الإعجابُ بلقطاتِ هؤلاء الأفراد، لا يعني بالضّرورو التبرّؤ من جهود المؤسسات.
إذ يُمكِن الاستمتاع بهذه المُحتويات وما شابهها، لكن، شريطةَ أن يكونَ هذا الإعحاب مُدركًا لحدودها.
ولعلَّ الجانب الأكثر تعقيدًا في المشاهِد المعنيّة، هو البعض ممَّن استغلَّ هذا المحفل ليُلبسَ طموحه الفردي ثوبَ الوطنية، فيدّعي أنَّهُ يسوّق للأردن، بينما همّهُ الأول تضخيم حسابه الشخصيّ أو جني عقودٍ إعلانيّة.
ليس عيبًا أن يستفيدَ أيّ شخصٍ من فرصةٍ تمرّ به.
لكن، المغامرةُ الأخلاقيّة تكمُن في تبرير تلكَ المكاسب الفردية بالقول "إنّهُم يفعلونَ ما عجزت عنه الدولة".
فهذا التّناقُض هو ما يستحقّ التوقُّف عنده بموضوعيّة.
فمن غير المُنصف اتهام الجميع بالنوايا السيئة، كما أنّهُ من السذاجة تصديق أنَّ كُلّ من يظهر على منصّةٍ ما، هو سفيرٌ وطنيّ بلا أهدافٍ خاصة.
وعليه، فإنَّ الطريقة الأكثر نُضجًا للتعامُل مع هذا الضّجيج ليست في مُهاجمة من أشاد بهم، ولا في تكفير نواياهم، بل في التّفريق الذهنيّ بين الترويج الفرديّ والسياحة المؤسسيّة، وأن نتعاملَ مع الكثير مِن المُحتوى المُقدَّم كطبقةٍ سطحيّة من الزينة والتشويق، لا كبديلٍ عن الخُطط المدروسة، الّتي تستدعي النّقد البنّاء والمُساءلة.
في النهاية، أنا واحدٌ لا أسمح لليأس مِن الوعي الشعبيّ أن يتمكّن منّي.
فنعَم، أنا مُدرِكٌ لأبعاد في سمّيته "السّقوط في بالوعَة المؤثّرين".
لكن، بكُلّ تأكيد، أن أثقُ بأنّ ما هذا إلّا سُقوط مؤقّت في بريقِ الإعجاب، وأبدًا، لا يُمكِن أن يكونَ عمىً دائم.
وأنا على ثِقة، خاصةً حينما تخفُ أضواء الشُّهرة، وتعود الأمورُ إلى ما كانَت عليه، بأنَّ النوايا ستُكشَف.
فالأردنّ أكبَر من أن يُختَزل في حملةٍ ترويجيّةٍ موسميّة، ومَن يعشقونهُ هُم من يبنونَ فثه بيوتًا ويستثمرونَ في أرضه، وليسوا من يظهرونَ ثمّ يختفونَ مع انتهاء محفلٍ حُدّد لهُ زمن.
فالأردنّ أكبَر من كُلّ الأزمان.
لنمنَح أنفُسنا جُرعة من الوعي النقديّ، ولنستمتعَ بالمشاهدَ دون أن نمنحها أكثر مِن حجمها، ولنُطالبَ مؤسّساتنا السياحيّة بالتّطوير نعفيَ أنفُسنا من مسؤوليّة التمييز بينَ الغلاف والمضمون.
فهذا هو التوازُن الحقيقيّ الّذي يليقُ بنا كجمهورٍ أردنيٍّ ناضِج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك