بحكم طبيعتها تقدم كأس العالم دائماً بوصفها بطولة تحسم بواسطة الأفضل، لكن ثمة رأياً آخر مفاده أنها تحسم بالأقل سوءاً.
أو بصيغة أخرى، بالفريق الذي يمتلك أقوى" حلقة ضعيفة".
ووفقاً لهذه النظرية، فإن البطولة لن يقرر مصيرها ليونيل ميسي أو هاري كين أو كيليان مبابي، فجميعهم يمكن اعتبارهم أفضل لاعبي منتخباتهم، لكن الاسم الـ11 في ورقة التشكيل قد يكون الأهم على الإطلاق.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في كرة القدم الدولية، حيث يظل هناك دائماً احتمال أن يكون أضعف لاعب في المنتخب أقل مستوى من نظرائه في أندية النخبة.
فمع غياب سوق الانتقالات وعدم وجود إمكان لاستقدام لاعبين من الخارج، يجد مدربو المنتخبات الوطنية أنفسهم مضطرين إلى الاختيار من قاعدة مواهب محدودة، حتى في ظل" كأس العالم الشتات" التي يمثل فيها عديد من المنتخبات مجتمعات مهاجرة واسعة.
نقاط الضعف المشتركة بين المرشحينويبدو هذا الأمر أكثر ارتباطاً بالواقع الحالي.
فكل منتخب من المرشحين يعاني نقاط ضعف معينة، ومن السهل تكوين فريق افتراضي قادر على الفوز بكأس العالم من خلال الجمع بين أفضل عناصر المنتخبات المختلفة: ربما هجوم فرنسا، ووسط إسبانيا، وظهيري البرتغال، وقلبي دفاع البرازيل، وحارس مرمى بلجيكا، لكن إذا تم اتباع النهج المعاكس، فسيكون بالإمكان أيضاً تجميع فرق افتراضية متواضعة المستوى بصورة لافتة.
لذلك قد يكون العامل الحاسم هو المنتخب القادر على إخفاء عيوبه بأفضل صورة، أو الأقل تضرراً من أوجه القصور النسبية لديه، وهي وصفة أثبتت نجاحها سابقاً.
إسبانيا وفرنسا بين التوازن والهواجسفازت إسبانيا ببطولة أوروبا 2024 بوصفها الفريق الأكثر توازناً في البطولة، وبفضل هدف ميكيل أويارزابال في المباراة النهائية.
ومع ذلك، يصعب القول إن فريق لويس دي لا فوينتي يملك حالياً أكثر مجموعة مهاجمين أو قلوب دفاع إثارة للحسد.
أما فرنسا، التي ربما كانت تصنف شريكاً في صدارة الترشيحات قبل كأس العالم، فتواجه تساؤلات في شأن خط الوسط، الذي فقد في السنوات الأخيرة بول بوغبا وأنطوان غريزمان، في حين أصبح نغولو كانتي في منتصف الثلاثينيات من عمره.
وقد بلغت فرنسا نهائي 2022 بوجود أدريان رابيو وأوريلين تشواميني، لكن من الصعب تصور قدرتها على التحكم بالمباريات بالطريقة التي تستطيعها إسبانيا أو البرتغال.
البرتغال وإنجلترا وتحديات المراكز الحساسةويبدو منتخب المدرب روبرتو مارتينيز مفتقراً إلى قلوب دفاع من الطراز العالمي، خصوصاً في غياب روبن دياز، لكن الاستنتاج غير المريح بالنسبة إلى البرتغال قد يكون أن أضعف مراكزها هو المركز الذي يضم أحد أعظم اللاعبين في التاريخ: رأس الحربة، طالما بقي كريستيانو رونالدو موجوداً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولا تعاني إنجلترا مشكلة مماثلة عندما يكون هاري كين في كامل جاهزيته وتألقه.
فتاريخياً، شكل قلب خط الوسط نقطة ضعف للإنجليز، وكان ذلك واضحاً في 2018 عندما تفوقت عليهم كرواتيا في الاستحواذ والتمرير.
أما الآن، ومع وجود إليوت أندرسون وديكلان رايس كثنائي في الوسط، فقد تتحول المخاوف إلى خط الدفاع الذي استقبل هدفين أمام كرواتيا في دالاس، إذ تمتلك إنجلترا لاعبين جيدين في الخلف، لكن هل يملكون مستوى أبطال كأس العالم؟البرازيل والأرجنتين وألمانيا تحت المجهروفي أميركا الجنوبية، قد يجمع بين خصمين تاريخيين تحدٍّ مشترك، فالبرازيل والأرجنتين لا تتمتعان بأفضل الخيارات في مركزي الظهير، وهو ما لم يمنع فريق ليونيل سكالوني من التتويج في قطر، إذ كانت تلك حالاً انتصرت فيها" نظرية الحلقة القوية" بفضل مستوى ميسي.
ومع اعتزال أنخيل دي ماريا اللعب الدولي، تفتقد الأرجنتين الجودة على الأطراف التي تتمتع بها بعض منافساتها.
أما البرازيل، فتواجه أيضاً تساؤلات إضافية في وسط الملعب، زادتها صعوبة معاناة كاسيميرو أمام المغرب، إضافة إلى الشكوك في شأن امتلاكها مهاجماً صريحاً بالمستوى المطلوب.
ويمكن قول الأمر نفسه عن ألمانيا، وإن كان كاي هافرتز، الذي يميل أكثر إلى دور المهاجم الوهمي، قد استهل البطولة بهدفين أمام كوراساو، وبدا قرار إعادة الحارس مانويل نوير من اعتزاله الدولي إشارة إلى أن المدرب جوليان ناغلسمان يعالج أحد المراكز التي قد تبدو فيها ألمانيا أقل قوة من بقية المرشحين.
أما جارتها هولندا، فتمتلك وفرة في المدافعين، لكن ربما ليس بالقدر نفسه من الجودة التي تميزت بها منتخباتها السابقة في خطي الوسط والهجوم.
دروس التاريخ من الأبطال السابقينويظهر تاريخ كأس العالم أنها قد تحسم أحياناً بفضل لاعب استثنائي، سواء كان بيليه أو دييغو مارادونا، أو ميسي أو غارينشا، أو حتى لاعبين بلغوا تلك المكانة لفترة قصيرة مثل باولو روسي أو ماريو كيمبس.
لكن بعض الألقاب الحديثة جاءت من نصيب المنتخبات التي نجحت في منع عيوبها من التحول إلى مشكلة، أو استطاعت إخفاء نقاط ضعفها.
ففي 2014، انتهى الأمر بألمانيا إلى إعادة فيليب لام، الذي بدأ البطولة في خط الوسط، إلى مركز الظهير الأيمن الذي كان يمثل موضع المشكلة.
وفازت فرنسا بكأسي العالم 1998 و2018 على رغم الاعتماد على مهاجمين لم يسجلا أهدافاً، أولاً ستيفان غيفارش، ثم أوليفييه جيرو، الذي أنهى مونديال روسيا من دون أن يسدد أي كرة بين الخشبات الثلاث، لكن كليهما أدى دوراً مكملاً للاعبين الأكثر خطورة الذين تحركوا خلفه أو إلى جواره.
وربما كان الظهير الأيسر جوان كابديفيا اللاعب الأقل بريقاً في التشكيلة الأساسية لإسبانيا المتوجة في 2010، لكنه كان موثوقاً بما يكفي كي لا يتحول إلى نقطة يمكن استهدافها.
وفي عامي 2006 و2014، استفاد البطلان في النهاية، إيطاليا وألمانيا على التوالي، من ارتفاع المستوى العام للفريق.
ويمكن القول إن أياً منهما لم يملك نجماً خارقاً، لكن أياً منهما لم يملك أيضاً حلقة ضعيفة.
معادلة الفوز بالبطولات الكبرىوإذا كان الفريق لا يكون أقوى من مستوى لاعبه الـ11، فربما تكمن معادلة الفوز بكأس العالم في التأكد من أن الحلقة الضعيفة ليست نقطة ضعف من الأساس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك