لا تُقاس نتائج الحروب بحجم الدمار الذى تخلفه أثناء القتال، بل بمدى ما يحققه كل طرف من أهداف سياسية، وبحجم التحولات والتغييرات الاستراتيجية التى تفرضها المعركة بعد أن تهدأ أصوات المدافع.
منتصف الأسبوع الماضى، وخلال مشاركتى فى برنامج «هذا المساء» على قناة القاهرة الإخبارية، قدرت أن الجولة الأخيرة من الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى انتهت بـ«نصف انتصار لإيران ونصف هزيمة لواشنطن».
كان ذلك قبل الكشف عن بنود مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران؛ وبعد انكشاف تفاصيل الاتفاق وما تبعه من ردود فعل أمريكية وإسرائيلية، بات واضحا أن ذلك التقدير يحتاج إلى مراجعة؛ فما بدا نصف انتصار لإيران، تأكد أنه انتصار كامل، وما بدا نصف هزيمة للولايات المتحدة ثبت أنه هزيمة استراتيجية، فيما بدت إسرائيل الخاسر الأكبر.
عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران فى نهاية فبراير الماضى، رفعتا سقف الأهداف إلى الحد الأقصى؛ من إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، إلى إنهاء البرنامج النووى وتقويض القدرات الصاروخية وتقليص النفوذ الإقليمى لطهران؛ غير أن بنود مذكرة التفاهم التى تم التوصل إليها بعد مائة يوم من المواجهة العسكرية والتفاوض السياسى، كرست واقعا مغايرا تماما لما أُعلنت الحرب من أجله.
بقى النظام الإيرانى قائما وأكثر تماسكا، ولم يُقض على البرنامج النووى، بل جرى تكريس وجوده وإرجاء القضايا الخلافية المتعلقة بنسب التخصيب ومخزون اليورانيوم إلى جولات تفاوضية لاحقة؛ أما البرنامج الصاروخى فقد خرج عمليا من نطاق التفاهمات، فيما خلت المذكرة من أى التزامات تتعلق بحلفاء إيران أو نفوذها الإقليمى.
وفى المقابل، جرى تثبيت مسار رفع العقوبات، واستئناف تصدير النفط الإيرانى، فضلا عن إقرار بند خاص بتدشين صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار.
أما المكسب الأبرز لإيران فيتعلق بمضيق هرمز؛ فالمضيق الذى كان مفتوحا قبل الحرب، وتحول أثناءها إلى مصدر قلق للاقتصاد العالمى، خرج من الأزمة وقد ارتفعت قيمته الاستراتيجية، فبموجب مذكرة التفاهم لم يعد مجرد ورقة ضغط مؤقتة، بل أداة نفوذ تمنح طهران موقعا مؤثرا فى معادلات الطاقة والتجارة العالمية.
بتعبير آخر، حوّل الصراع المضيق إلى أصل استراتيجى لإيران لا يقل أهمية عن البرنامج النووى، وربما يفوقه تأثيرا فى حسابات الردع والضغط الإقليمى والدولى.
إذا كانت تلك هى حصيلة مائة يوم من الحرب والتفاوض، فأين «النصر المطلق» الذى وعد به نتنياهو؟ وأين «الاستسلام غير المشروط» الذى توعد به ترامب إيران قبل أن يخفض سقف أهدافه إلى مجرد «اتفاق عادل؟ ».
المفكر الأمريكى فرانسيس فوكوياما وصف مذكرة التفاهم بأنها «ليست صفقة على الإطلاق»، بل «استسلام أمريكى كامل لإيران»، معتبرا أن الأمور عادت عمليا إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
لم يكن فوكوياما صوتا منفردا فى أوساط النخب الأمريكية؛ إذ امتد النقد إلى شخصيات بارزة داخل الحزبين الجمهورى والديمقراطى، ففيما يرى السيناتور بيل كاسيدى أن ما جرى هو «أسوأ خطأ فى السياسة الخارجية منذ عقود»، وصفت سوزان رايس مستشارة الأمن القومى الأمريكى السابقة مذكرة التفاهم بأنها «استسلام مروع».
لكن الخسارة الأمريكية، على فداحتها، لا تبدو الأكبر؛ فإسرائيل هى التى دفعت الثمن الاستراتيجى الأثقل؛ فالدولة التى وعد رئيس حكومتها بإعادة تشكيل الشرق الأوسط خرجت من الحرب وقد انكشفت حدود قوتها الفعلية، إذ تأكد أنها لا تستطيع خوض مواجهة بهذا الحجم أو إنهاءها بعيدا عن القرار الأمريكى.
وهكذا، بدلا من أن تظهر كقوة ترسم خرائط المنطقة، بدت أقرب إلى «محمية» تعتمد على واشنطن فى بقائها وأمنها أكثر مما تعتمد على قوتها.
ولعل ما كتبه جدعون ليفى فى صحيفة «هاآرتس» يعكس حجم الصدمة التى أحدثتها نتائج الحرب داخل إسرائيل، فقد اعتبر أن بلاده خضعت خلال تلك المواجهة لـ«اختبار قاس»، كشف حدود قدرتها على فرض التحولات الاستراتيجية بالقوة العسكرية، وأجبرها على مواجهة حقائق حاولت تجاهلها طويلا.
وربما كان من أبرز نتائج تلك الجولة، هو ما خلّفته من توتر بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، وهو ما انعكس فى تصريحات نائب الرئيس الأمريكى دى فانس الذى ذَكر وزراء نتنياهو الذين يهاجمون ترامب بأن معظم ما استخدمته بلادهم من سلاح فى حروبها الأخيرة هو سلاح أمريكى، قاصدا أن إسرائيل ورغم تفوقها العسكرى لا يمكن أن تخوض معاركها بعيدا عن المظلة الأمريكية.
فى المقابل أعادت إيران تثبيت مكانتها باعتبارها قوة إقليمية مركزية لا يمكن تجاوزها فى أى ترتيبات تخص الشرق الأوسط، وكرّست صورتها باعتبارها الدولة الوحيدة فى الإقليم التى خاضت مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم انتقلت إلى طاولة التفاوض من موقع الندية لا من موقع المنكسر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك