بينما تتجه الأنظار إلى سويسرا مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وسط رهانات حول ملفي مضيق هرمز ولبنان، يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حملة انتقادات غير مسبوقة، وصلت إلى داخل حزبه" الليكود"، إذ يحمله معارضوه مسؤولية فشل إسرائيل في حربها على إيران ولبنان، معتبرين الخضوع للرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه الملف اللبناني إخفاقاً خطراً يهدد أمن إسرائيل.
وفي هذا السياق، انشغلت جهات سياسية ومعاهد أبحاث وأمنيون بتلخيص عامين وثمانية أشهر من المواجهة تجاه غزة وإيران ولبنان، إذ برز موقف شبه مشترك يرى أن إسرائيل فشلت تجاه طهران، وفي طريقها إلى الوحل والهزيمة في لبنان.
ففي ميزان النتائج، غلب الفشل بفارق كبير على الإنجازات، وتصدرت العناوين حملة انتقادات واسعة ركزت على أن" إيران حققت ما تريد بإجبار إسرائيل على وقف مهاجمة بيروت"، وأن" نتنياهو تراجع عن تهديداته مُفسحاً المجال أمام طهران لدخول مفاوضات سويسرا وقد حققت هدف ربط الساحتين اللبنانية والإيرانية".
وتبقى هذه التساؤلات محور نقاشات حادة داخل الأجهزة الأمنية والمستوى السياسي لبلورة خريطة جديدة للحزام الأمني وانتشار الجيش.
وقد لمح أكثر من مسؤول أمني إلى أن إسرائيل ستكون مضطرة عاجلاً أم آجلاً إلى الانسحاب من" الخط الأصفر"، لكنها لن تقبل بالعودة إلى الخط الأزرق الدولي، بل تعد اقتراحات لزيادة نقاط المراقبة والاتفاق على منطقة حزام أمني تبدأ من الحدود لضمان أمن سكان الشمال.
ووفقاً للتقييمات الحالية، فإن الاستنتاج الأبرز هو عدم إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة، انطلاقاً من أن الأميركيين يساعدون فقط من يساعدون أنفسهم، ولديهم سجل طويل في التخلي عن الحلفاء.
وفي هذا الصدد، يرى الباحث في الشؤون السياسية الإسرائيلية إيال زيسر أن إسرائيل فوتت الفرصة حتى الفشل، داعياً متخذي القرار إلى عدم الخوف من الاعتراف بذلك، معتبراً إياه الخطوة الأولى للإصلاح، ومؤكداً أن محاولة حجب الحقيقة خوفاً على المعنويات العامة لا تجدي نفعاً أمام مواطنين يملكون عيوناً في رؤوسهم ويفهمون الواقع.
تشكل مفاوضات سويسرا المنعقدة اليوم الأحد إرباكاً ومعضلة لإسرائيل، بين حاجتها للاستمرار في عملياتها لتحقيق أهدافها، وبين ضرورة التجاوب مع واشنطن للتمهيد لوقف الحرب.
ويصف زيسر الاتفاق بأنه" اتفاق استسلام" تكون فيه إسرائيل الخاسر الأكبر، محذراً من أن النظام الإيراني المتطرف يخرج من المواجهة وهو يشعر بسكرة القوة ورغبة الانتقام، بعدما حافظ على قسم مهم من قدراته العسكرية، وأبقى الخيار النووي في يده كورقة مساومة، معتقداً أنه أزال تماماً تهديد أي هجوم أميركي مستقبلي ضده.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما على الجبهة اللبنانية، فإن التقييمات تشير إلى الهزيمة والعودة إلى واقع عشية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فـ" حزب الله" على رغم تضرره بقي واقفاً على قدميه، وسيعمل بفضل الهدوء الحالي على ترميم قوته وإعادة ملء ترسانته الصواريخ، ليتفاجأ به الاحتلال مجدداً على الجدران فور انسحاب الجيش من الحزام الأمني تحت الضغط الإيراني.
يعزو الإسرائيليون الفشل تجاه إيران إلى أن الأهداف الموضوعة والخطوات العسكرية كانت منذ البداية غير واقعية، إذ يكمن الإحباط في الفجوة الكبيرة بين تلك السقوف المرتفعة وبين الحقيقة على الأرض.
وفي تقرير نشرته صحيفة" يديعوت أحرونوت" استناداً إلى محادثات مع خبراء كبار ومتخصصين نوويين وأمنيين، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، تبين أن 43 في المئة من الجمهور الإسرائيلي يرى أن الدولة فشلت في مواجهة إيران.
وفي ملف السلاح النووي، يرى الخبراء أنه لم يكن صحيحاً ما روج له نتنياهو بأن إسرائيل في خطر إبادة وشيك.
فقد خطط لعملية" الأسد الصاعد" كعملية قصيرة لإحباط التهديد النووي والصاروخي المباشر.
وعلى رغم أن ترمب أوقف إسرائيل بعد 12 يوماً، فإن ذلك حدث بعدما حققت نحو 80 في المئة من أهدافها العسكرية وألحقت أضراراً جسيمة بمكونات البرنامج النووي.
ثم أكمل ترمب المهمة باستخدام قاذفات أميركية عطلت منشأة تخصيب اليورانيوم في" فوردو" لفترة طويلة، والتي لم تكن إسرائيل قادرة على تحييدها بمفردها، مما أسفر في المجمل عن تدمير منشآت التخصيب الرئيسة، والقضاء على علماء بارزين، ودفن 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة بمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، ليتأخر البرنامج النووي مدة تراوح ما بين ثلاثة وخمسة أعوام.
ومع ذلك، يرى التقرير أنه على رغم هذا التعطيل النووي، فإن خطر الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية لا يزال قائماً.
وعلى رغم نجاح سلاح الجو في تعطيل أكثر من 50 في المئة من منصات الإطلاق ومنشآت إنتاج الوقود والمتفجرات، فإن طهران لا تزال تمتلك أكثر من ألف صاروخ من مختلف الأنواع وآلاف المسيرات الانتحارية التي يمكنها تهديد إسرائيل والمنطقة وحتى أوروبا، مما يجبر إيران حالياً على إدارة اقتصاد تسلح حذر والاكتفاء ببضع عشرات من عمليات الإطلاق اليومية.
أما هدف القضاء على النظام الإيراني فقد مُني بفشل تام، بدليل وصول إيران بقوتها وبشروطها إلى مفاوضات سويسرا، واعتراف إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان ومنح الحصانة لبيروت والضاحية.
في المقابل، توصف الإنجازات المحققة بأنها" خجولة" ولم تخفف الخطر الوجودي.
ويتمثل الإنجاز الاستراتيجي الرئيس للجيشين الإسرائيلي والأميركي في التدمير المنهجي لمصانع الصناعات الدفاعية وأنظمة التطوير والبحث التي تخدم مشروعي الصواريخ والنووي، مما يحرم إيران من استعادة قدراتها وإنتاج كميات ضخمة من الصواريخ لأعوام، إذ ستستغرق إعادتها ما لا يقل عن عامين إلى ثلاثة أعوام حتى لو توافرت السيولة المالية.
وشملت الإنجازات تعطيل أنظمة الكشف والاعتراض للدفاع الجوي الإيراني بصورة شبه كاملة، مما ضمن لسلاح الجو الإسرائيلي حرية التحليق في الأجواء الإيرانية كعنصر ردع استراتيجي مهم.
وفي الختام، يوضح مسؤول أمني إسرائيلي أن لدى الجيش خططاً عملياتية مفصلة ومدعومة بالوسائل لمنع وصول إيران إلى السلاح النووي، وهو مستعد لتنفيذها فور موافقة القيادة السياسية.
إلا أن المطلعين على الوضع يستبعدون قدرة إسرائيل على تنفيذ أي عمليات في الوقت الحالي، ليس فقط لأن واشنطن لا تريد ذلك، بل لأن إسرائيل غير قادرة بمفردها على خوض مثل هذه الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك