ليست الهوية بطاقة شخصية أو وثيقة سفر أو حدودا ترسمها الخرائط.
بل هى ربما ما يبقى حين تتغير الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتُهدم المدن، ويغيب الشهود أو يُدفنون تحت الأنقاض.
إنها الذاكرة الجماعية التى تحفظ صورة المجتمع عن نفسه، وتسجل ما عاشه وما خسره وما حلم به.
ولعل الأدب كان، عبر التاريخ، الوسيلة الأصدق لتسجيل هذه الذاكرة، ليس بوصفه أرشيفا للماضى فحسب، بل باعتباره شاهدا على الحاضر، وأحيانا كثيرة نافذة تكشف القادم وتحذر منه قبل أن يصبح واقعا.
ولنا فى تجربة عبد الرحمن منيف نموذج استثنائى فى هذا السياق.
ففى روايته «مدن الملح» لم يكن يروى فقط قصة التحولات التى رافقت اكتشاف النفط فى الخليج، بل كان يقرأ المستقبل أيضا.
رصد كيف يمكن للثروة أن تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وأن تنتج أنماطا جديدة من السلطة والخوف والتبعية، وأن تجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام التحولات المفاجئة.
واليوم، وبعد عقود من صدور الرواية، يبدو منيف وكأنه يصف ما نعيشه الآن، أو كأنه يطلق تحذيرا مبكرا من القادم.
نحن أبناء الخليج، وغيرنا من العرب والمهتمين بالخليج بوصفه فضاءً ثقافيا وحضاريا، لا مجرد مصدر للرزق والثروة أو للإبهار الحسى العابر، ندرك أن قيمة المكان لا تُقاس بما يملكه من مال، بل بما ينتجه من معرفة، وما يحافظ عليه من تنوع، وما يسمح به من أسئلة.
فالهوية ليست حالة جامدة، بل عملية مستمرة من التفاعل بين الماضى والحاضر، بين الذاكرة والواقع، وبين ما نرغب أن نكونه وما نخشى أن نصبح عليه.
وقد اختار كثير من الأدباء العالميين سرد الحروب بعيدا عن الرواية التى تسوغها السلطات أو يكتبها المنتصرون، مثل إريك ماريا ريمارك عن الحرب العالمية الأولى بوصفها مأساة لجيل كامل لا ملحمة بطولية، وجورج أورويل عن كيف يمكن للدعاية أن تعيد تشكيل الحقائق، وآخرين أعطوا الكلمة فى الحروب فى رواياتهم للجنود والأمهات والناجين، لتصبح الحرب فى أعمالهم حكاية بشر عاديين لا بيانات عسكرية.
وغيرهم كثيرون، ليصبح الأدب مساحة لحفظ الذاكرة الإنسانية من النسيان، وحماية الحقيقة من أن تُختزل فى رواية وحيدة.
تعلمنا أن الحروب والأزمات تكشف معادن البشر.
والحرب الأخيرة، كما غيرها من الحروب، قدمت نموذجا صارخا لما تفضحه الحروب، ليس فقط على المستويين السياسى والأمنى، بل أيضا على المستويين الثقافى والاجتماعى.
ففى أوقات الخطر يتراجع الحوار، ويتقدم الخوف بوصفه السلاح الأكثر فاعلية، ويصبح الداخل فى مواجهة الخارج، بل ربما الداخل فى مواجهة نفسه، ويُنظر إلى أى صوت مختلف بوصفه تهديدا ينبغى إسكاته، لا مساهمة ضرورية لفهم ما يجرى.
وقف كثيرون مذهولين أمام حجم التناقضات فى المواقف الدولية؛ فى عاصمة أكبر دولة تدّعى أنها «شرطى العالم»، كما فى الدول التى تعرضت للقصف أو كانت على مقربة منه أو دفعت أثمانه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن الحروب لا تبدأ وتنتهى فى أماكن محددة، ولا تقتصر آثارها على ساحات القتال.
إنها تمتد إلى العقول والذاكرة والاقتصاد والثقافة، وتتجاوز حدود الدول لتعيد تشكيل المجتمعات نفسها.
ألم تُثبت الحربان العالميتان الأخيرتان أنهما لم تكونا سوى صراع بين القوى الاستعمارية الكبرى، جرى خلاله الزج بسكان المستعمرات وقودا للنيران أو خط دفاع أول عن إمبراطوريات لم تكن أوطانهم.
شارك كثير من العرب الذين كانوا يعيشون تحت الانتدابين أو الاستعمارين الفرنسى والبريطانى فى الحرب العالمية الثانية دفاعا عن المستعمِر لا عن أوطانهم، فى واحدة من أكثر مفارقات التاريخ قسوة.
لكن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم هو: كيف تصرفت الحكومات مع الحرب؟ وكيف تعاملت الشعوب معها أيضا؟ ربما كان الخوف من المجهول، أكثر من الخوف من القذيفة التى تسقط الآن، هو ما حكم سلوك كثيرين.
هنا برزت ظواهر لم تعرفها مجتمعاتنا من قبل، أو لم تظهر بهذا الوضوح، وهى ظواهر تستحق الدراسة بعيدا عن الأحكام المسبقة.
فنحن، فى جانب كبير منا، مجتمعات تشكلت فى ظل الدولة الريعية النفطية، حيث وفرت الثروة قدرا من الاستقرار المادى، لكنها لم تنجح دائما فى بناء فضاءات عامة تسمح بالنقاش الحر أو بالتعبير عن الاختلاف دون خوف.
وعندما جاءت الحرب، انكشفت هشاشة بعض البنى الاجتماعية، وظهرت أشكال من الرقابة المجتمعية والاصطفافات الحادة، وكأن الخوف من السؤال أصبح أكبر من الخوف من الحرب نفسها.
ولذلك، ربما يكون الاحتفاء بالأدباء والمبدعين والعلماء، وصيانة مكانتهم المعنوية والقانونية، جزءا أصيلا من حماية الوطن وتعزيز أمنه الداخلى، لا عبئا عليه.
فالأوطان لا تُصان فقط بالحدود والجيوش، بل أيضا بالذاكرة التى تحفظها، والأسئلة التى تطرحها، والأصوات التى تنبه إلى مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعى أن يشعر كثيرون بالأسى والدهشة إزاء الإجراءات التى تمس رموزا ثقافية أسهمت فى تشكيل الوعى الخليجى والعربى، ومن بينها سحب الجنسية عن الأديب الكويتى المبدع طالب الرفاعى وآخرين.
فالمبدع، حتى حين يختلف مع مجتمعه أو سلطته، يبقى شاهدا على زمنه، وحارسا لذاكرة وطنه.
وربما لهذا نعود إلى عبد الرحمن منيف كلما عصفت بنا الأزمات؛ ليس نبشا للماضى بل قراءة أكثر واقعية وفهما للحاضر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك