مؤخرا، أصبح شرق البحر المتوسط مسرحا لرسائل استراتيجية غير مباشرة بين الهند وتركيا.
تجسد هذا في التقارب الجيوسياسي والدفاعي المتنامي بين نيودلهي وخصوم أنقرة الإقليميين (اليونان، قبرص، إسرائيل).
وبهذا لم يعد شرق البحر الأبيض المتوسط مجرد حوض إقليمي متنازع على ثرواته، بل تحول إلى مسرح عمليات جيوسياسي مفتوح تعاد فيه صياغة التوازنات بين قوى صاعدة من خارج الإقليم.
بل إن الصراع غير المباشر بين الهند وتركيا في هذه الرقعة بات يمثل نموذجا متقدما لاستراتيجيات" نقل المعركة إلى الفناء الخلفي للخصم"، حيث تتشابك خطوط الدفاع التركية البحرية مع خطوط الطموح الهندي العالمي.
ملامح الاستراتيجية الهندية في شرق المتوسط:تتحرك الهند في شرق المتوسط وفق عقيدة جيوسياسية جديدة تتجاوز حدودها التقليدية في المحيط الهندي، حيث تستخدم نفوذها الدبلوماسي والعسكري في المتوسط لردع تركيا، ردا على دعم تركيا السياسي المستمر لباكستان (خاصة في أزمة كشمير)، وتزويد أنقرة لـ" إسلام آباد" بأسلحة متطورة سواء" المسيرات" أو السفن الحربية من فئات" ميلجيم" (مشروع" ميلجيم - MİLGEM" هو برنامج عسكري تركي لتطوير وبناء سفن حربية محلية متعددة المهام).
بمعنى أن الهند تتحرك وفق معادلة مفادها أن" كشمير مقابل المتوسط"، حيث ترى نيودلهي أن الدعم التركي المطلق لباكستان يمثل تهديدا لأمنها القومي.
وبناء عليه، وظفت الهند جغرافيا شرق المتوسط لإنشاء" ميزان ردع ارتدادي"؛ فكل تحرك تركي في جنوب آسيا يقابله توغل هندي في العمق الحيوي لأنقرة.
هنا نلاحظ تنامي الشراكة الاستراتيجية مع قبرص واليونان، حيث وقعت الهند وقبرص خارطة طريق دفاعية لمدة خمس سنوات تعزز الأمن البحري.
وقد أثار هذا التطور قلقا بالغا في الأوساط التركية، التي ترى أن الدعم الهندي لخصوم تركيا لم يعد مجرد موقف دبلوماسي، بل تحول إلى" توازن صلب" يرتكز على ترقية الشراكات الدفاعية، والتلويح بتزويد أثينا ونيقوسيا بأسلحة كاسرة للتوازن مثل صواريخ" براهموس" الأسرع من الصوت، مما يعني نقل التكنولوجيا العسكرية الهندية إلى خطوط التماس التركية.
من ناحية أخرى، ترى بعض التقديرات الاستراتيجية أن التحرك الهندي يعكس استراتيجيا معنى" الهندسة الجيوسياسية لغاز المتوسط"، حيث تسعى الهند لحجز مقعد في مشاريع الطاقة في شرق المتوسط، مما يمنحها ميزتين: تنويع مصادر طاقتها بعيدا عن الخليج، ومشاركة القوى الأوروبية (مثل فرنسا) في كبح الطموحات البحرية التركية.
من ناحية ثالثة، يمثل البعد الاقتصادي عصب هذا التنافس الاستراتيجي، حيث يتقاطع الصراع الجيوسياسي مع خطوط التجارة العالمية.
بمعنى أن المواجهة غير المباشرة بين الهند وتركيا امتدت لتشمل الصراع على الجغرافيا الاقتصادية أو معركة الممرات البديلة.
وهنا يبرز مشروع الممر الهندي الأوروبي (IMEC) كأداة عزل، حيث تدعم الهند هذا الممر لربط آسيا بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل واليونان.
ولهذا ترى تركيا في هذا المشروع تهديدا وجوديا لطموحها في أن تصبح" جسرا وحيدا" بين الشرق والغرب، كونه يتعمد استبعاد الموانئ والأراضي التركية.
استراتيجيات الاستجابة التركية:تتحرك تركيا للرد على التحركات الهندية في البحر المتوسط عبر استراتيجية تجمع بين كل من: التصعيد العسكري الميداني، والضغط الدبلوماسي الحذر، وبناء تحالفات مضادة.
وتهدف تركيا من ذلك إلى منع اختلال ميزان القوى لصالح خصومها الإقليميين في شرق المتوسط، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الهند.
من ناحية، ترفض تركيا أي تغيير في ميزان القوى الجوي أو البحري في شرق المتوسط، خاصة بعد التقارير التي تحدثت عن احتمال حصول اليونان وقبرص على صواريخ" براهموس" الهندية.
وتجلت هذه الردود الميدانية مؤخرا في اعتراض مقاتلات" إف-16" تركية لأجواء الجزيرة وتوجيه رسائل ضغط جوية مباشرة أثناء تحليق طائرات وزراء دفاع أوروبيين فوق الأجواء القبرصية.
كما توعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرد الحاسم على أي تهديد يمس أمن ما يعرف بـ" جمهورية شمال قبرص" التركية.
بالمقابل من التصعيد الميداني في مواجهة قبرص واليونان، تفضل تركيا التهدئة الدبلوماسية المباشرة مع الهند بدلا من التصعيد الكلامي ضدها، حيث تتبنى الخارجية التركية لغة هادئة بهدف احتواء الاندفاعة الهندية.
وفي هذا السياق حث وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، نيودلهي علنا على عدم الشعور بـ" الاستياء" من علاقات أنقرة مع إسلام آباد، وأكد أن تركيا ليس لديها نزاع ثنائي أصيل مع الهند، داعيا إياها إلى رؤية العلاقات من منظور المصالح المشتركة والتبادل الاقتصادي بدلا من الاصطفاف الجيوسياسي.
من ناحية أخرى، تواصل تركيا توسيع النفوذ في الفناء الخلفي للهند من خلال الاستمرار في استخدام" دبلوماسية المسيرات" والأسلحة المتطورة لتعزيز نفوذها في جنوب آسيا.
ولا يقتصر هذا الدعم على باكستان، بل يمتد إلى بيع أنظمة دفاع جوي ومعدات عسكرية لدول أخرى في محيط الهند مثل بنغلاديش، إلى جانب السعي للحصول على موطئ قدم أو تسهيلات بحرية في خليج البنغال، مما يمثل ردا جغرافيا بالمثل على التحركات الهندية في المتوسط.
من ناحية ثالثة، تسعى أنقرة إلى تنويع شراكاتها الأمنية وتشكيل جبهة إقليمية موازية.
وبدأت تركيا بالفعل في استكشاف صيغ تعاون أمني وعسكري" متعددة الأطراف" تشمل دولا وازنة في المنطقة.
وفي هذا السياق يبدو أن تركيا تعول على إمكانية تعزيز التقارب مع كل من مصر والسعودية لتشكيل محور رباعي يضم مصر والسعودية وباكستان، لدمج نقاط القوة العسكرية والاقتصادية، وضمان عدم انفراد أي حلف تدعمه الهند بشرق المتوسط والشرق الأوسط.
من ناحية رابعة، تواصل تركيا تفعيل" عقيدة الوطن الأزرق" مستندة إلى اتفاقيتها البحرية مع ليبيا، والتي توظفها كـ" قاطع جغرافي" يعترض أي مشاريع لمد الأنابيب أو الكابلات التي تدعمها الرؤية الهندية - اليونانية، مع الحفاظ على الردع العسكري ضد أي محاولة لتوسيع المياه الإقليمية اليونانية.
كما ردت تركيا بطرح ممرات برية وسكك حديدية بديلة بالتعاون مع دول خليجية لتجاوز ممر (IMEC)، بالتوازي مع زيادة وتيرة دعمها العسكري لباكستان والتغلغل في آسيا الوسطى، لإبقاء الهند في حالة استنزاف دفاعي مستمر داخل محيطها الجغرافي.
مآلات التنافس.
ماذا بعد؟ربما تراهن الهند على أن استراتيجيتها في شرق المتوسط ستجبر تركيا على إعادة حساباتها الجيوسياسية في ظل هذا الضغط الاستراتيجي الجديد، كما ستتيح لنيودلهي موطئ قدم استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة وتأمين نفوذ لها على طرق التجارة الدولية.
بالمقابل، ثمة مدركات تركية بأن تكلفة المواجهة العسكرية باهظة للغاية.
لذا، تراهن أنقرة على خيارات" الاحتواء المرن"؛ عبر موازنة الردع العسكري الحاد في قبرص وبحر إيجة، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع الهند لتقليل مستويات الاحتكاك الاستراتيجي.
بناء على المعطيات الراهنة، من المرجح أن يتجه التنافس الهندي - التركي نحو سيناريو" الاشتباك البارد المستدام"، والذي تحكمه عدة ملامح، أولها، " سقوط خيار المواجهة المباشرة"، حيث سيبقى الصراع محكوما بالقوة الوكيلة والتحالفات غير المباشرة؛ نظرا لتباعد الجغرافيا وحاجة الطرفين للحفاظ على القنوات الدبلوماسية والاقتصادية الثنائية لتفادي خسائر تجارية ضخمة.
ثانيها، " تحول شرق المتوسط إلى ساحة توازن عالمي"، ولن يظل المتوسط شأنا عربيا أوروبيا - أطلسيا خالصا، بل إن دخول الهند (بثقلها كقوة نووية واقتصادية صاعدة) سيجعل من الإقليم نقطة ارتكاز في تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب.
*الخلاصة، أن تحول شرق المتوسط إلى ساحة توازن عالمي متعدد الأقطاب سيجبر دول المنطقة على تبني سياسات تحوط ديناميكية، نتيجة لمرونة التحالفات الإقليمية.
وهذا ربما يتطلب من صانعي القرار الإقليميين أو من الدول الإقليمية الكبيرة كمصر قراءة التحالفات بشكل ديناميكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك