تواجه أسواق الطاقة الأوروبية اختباراً مصيرياً لتأمين إمداداتها من النفط والغاز، عبر تعزيز شراكتها مع دول الخليج العربي، وذلك في أعقاب أزمة إغلاق مضيق هرمز التي اندلعت في فبراير/ شباط الماضي، وتسبّبت في اضطرابات شديدة بسلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية.
فبعد فقدان أوروبا خطوط الغاز الروسية سابقاً، بات الاعتماد على الغاز المسال القطري والنفط السعودي والإماراتي ركيزة أساسية لحماية أمن الطاقة الأوروبي، حيث تستقبل أوروبا ما بين 12% إلى 14% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر عبر المضيق المغلق حالياً.
وعلى الرغم من أن إغلاق مضيق هرمز تسبّب في عجز مؤقت في المعروض، وارتفاع الأسعار عالمياً، ليتجاوز خام برنت حاجز 120 دولاراً للبرميل، فإنه رسّخ مكانة دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً موثوقاً به لا غنى عنه بالنسبة للسوق الأوروبية؛ حيث أظهرت الأزمة أن أمن القارة العجوز واستقرارها مرتبطان بشكل وثيق باستقرار البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج، بحسب تقدير نشرته مؤسسة" ستاندرد آند بورز".
وفي محاولة للتغلّب على التحديات اللوجستية، وتجنّب الشحن عبر المضيق المغلق، نجحت دول الخليج في استثمار بنيتها التحتية البديلة لنقل صادراتها إلى أوروبا بفعالية، وبرز خط أنابيب" شرق - غرب" السعودي الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر شرياناً حيوياً لنقل النفط الخام مباشرة باتجاه قناة السويس، ومنها إلى أوروبا، بسعة تصديرية ضخمة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً.
كما فعّلت الإمارات خط أنابيب" حبشان - الفجيرة" لنقل النفط إلى خليج عُمان خارج مضيق هرمز، بسعة تصل إلى 1.
8 مليون برميل يومياً بالتوازي مع خطط لمضاعفة هذه القدرة التصديرية.
وفي الوقت نفسه، ساهمت الموانئ العُمانية في تسهيل حركة الشحن والخدمات اللوجستية ودعم الاقتصاد الإقليمي.
وأثار إعلان الولايات المتحدة وإيران عن توصل الطرفين إلى اتفاق مبدئي لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية دون فرض أي رسوم مرورية تفاؤلاً واسعاً في الأسواق العالمية، وأدى إلى انخفاض فوري في أسعار خام برنت إلى نحو 83 دولاراً للبرميل، ما عكس حقيقة أن تأمين صادرات الطاقة الخليجية يمثل أولوية قصوى للأمن القومي الأوروبي، بحسب تقرير نشرته" فاينانشال تايمز".
وتحتاج أوروبا بشدة إلى النفط والغاز الخليجي لتعويض النقص الناتج عن قطعها العلاقات مع روسيا، إذ إن الإنتاج الجزائري الأقرب جغرافياً لا يكفي لسد الاحتياجات الأوروبية، خاصة بعد الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة هناك بسبب الاعتماد السابق على الإمدادات الروسية الأرخص.
ورغم وجود شحنات أميركية بديلة فإنها مكلفة، وتنعكس سلباً على معدلات التضخم في أوروبا، ما يجعل التوجه نحو الخليج العربي الخيار المنطقي والأكثر جدوى لضمان أمن الطاقة واستقرار الأسعار، بحسب رؤية طه.
ويشير الخبير في شؤون النفط، أحمد حسن كرم، لـ" العربي الجديد"، إلى أن الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز تظل واحدة من أهم منتجي الطاقة في العالم ومصدراً موثوقاً به لتوريده، بغض النظر عن التداعيات الحالية لإغلاق مضيق هرمز، الذي يُتوقع أن تنتهي مشكلته قريباً بعد الإعلان الأميركي الإيراني عن التوصل إلى اتفاق يساهم في وقف الحرب وتداعياتها.
فالدول الخليجية المنتجة للنفط والغاز تتميز بأنها الأكبر إنتاجاً والأقل استهلاكاً محلياً على مستوى العالم، على عكس العديد من الدول الأخرى التي يصل استهلاكها المحلي إلى مستويات كبيرة، ما يحد من كميات صادراتها العالمية، وهو ما يجعل من دول الخليج، بحسب كرم، مصدراً موثوقاً به ومستقراً للإمدادات، خاصة مع عقودها الجاذبة التي تقدّم تخفيضات تجعلها أكثر تنافسية، مقارنة بنظيراتها الأخرى في السوق الدولية.
غير أن التحدي المستقبلي الكبير يتمثّل، بحسب كرم، في تكلفة الإمدادات والشحن والتأمين عليها، ما يرجح ارتفاع هذه الكلف في المستقبل القريب، لكن مع العودة الكاملة لحركة السفن في الفترة المقبلة، وتقليل التوترات في الممرات المائية الاستراتيجية، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب، ستتاح إمكانية تراجع أسعار الشحن والتأمين تدريجياً لتعود إلى مستوياتها السابقة.
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ" العربي الجديد"، إلى أن دول الخليج العربية المنتجة للنفط والغاز، وتحديداً السعودية والإمارات وقطر، اكتسبت ثقة كبيرة لدى العملاء الدوليين، نتيجة استقرار التجهيزات، والالتزام بأسلوب تسعير منطقي وتوقيتات دقيقة عبر عقود طويلة، غير أن التمادي الإيراني والمخالفات القانونية الدولية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة أدت إلى خلق إرباك في سلاسل التوريد، وعدم استقرار في المعروض من النفط الخام والغاز، ما استدعى العمل على إنشاء شبكة لوجستية بديلة لتزويد العملاء بشكل مستقر دون المرور عبر المضيق.
ويلفت طه في هذا الصدد إلى أن السعودية تعمل على رفع طاقة نقل أنبوب" شرق - غرب" إلى مستويات قياسية للتصدير عبر ميناء ينبع، بينما تمتلك الإمارات أنبوباً يصب في خليج عُمان وآخر غرب - شرق جرى إنجاز أكثر من 60% منه، ومن المؤمل استكماله قريباً، كما يوجد تنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي لمد أنبوب يمرّ عبر السواحل العمانية، متجاوزاً مضيق هرمز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك