روسيا اليوم - للمرة الأولى في تاريخها.. "سامسونغ" تفقد الصدارة في كوريا الجنوبية روسيا اليوم - فخر الضيافة القطرية.. منتجع "بورغنستوك" ملاذ النجوم والقادة قناة التليفزيون العربي - غارات إسرائيلية على مدينة غزة تخلف شهيدة وعددا من الجرحى روسيا اليوم - من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو "المعرض الثلاثي الدولي للإثنوغرافيا" قناة الجزيرة مباشر - Outcomes of the First Day of the Switzerland Summit and the Secrets of "Negotiation Engineering" Independent عربية - سويسرا ترحب بالتقدم "البناء" وأميركا وإيران تتفقان على خارطة طريق قناة التليفزيون العربي - على درب التصعيد يمضي طرفي التصعيد في السودان.. والدعم السريع ترفع وتيرة هجمتاتها روسيا اليوم - الكشف عن مدة دورة العلاج بلقاح "mRNA" الروسي لسرطان الجلد روسيا اليوم - السودان.. قتلى في انقلاب قارب يقل نازحين شمال كردفان العربي الجديد - زار أمير: "الغريبة" ليس عن المنفى بل الحب
عامة

في مسألة الكيمياء الشخصية والعلاقات الدولية

العربية نت
العربية نت منذ 1 ساعة

حين توقع الدول الاتفاقيات، فإن الجغرافيا لا تصافح بعضها بعضًا، والمصالح العملية لا تتبادل الابتسامات. فالذى يحدث عادة أن بشرًا يجلسون حول طاولة واحدة، ويحمل كل منهم فى ذهنه حسابات القوة والمصلحة، بينم...

حين توقع الدول الاتفاقيات، فإن الجغرافيا لا تصافح بعضها بعضًا، والمصالح العملية لا تتبادل الابتسامات.

فالذى يحدث عادة أن بشرًا يجلسون حول طاولة واحدة، ويحمل كل منهم فى ذهنه حسابات القوة والمصلحة، بينما يحمل فى وجدانه قدرًا من الثقة أو الريبة ومن الارتياح أو النفور، وهؤلاء هم الذين يتصافحون ويبتسمون، أو يفعلون العكس، فى نهاية المطاف.

لقد ظلت العلاقات الدولية زمنًا طويلًا توصف بأنها عالم المصالح الباردة والحسابات المُجردة والاعتبارات المؤسسية، بينما كان التاريخ يهمس بحقيقة أخرى أقل صخبًا وأكثر مُخاتلة؛ ومفادها أن السياسة الدولية تُدار عبر البشر، وأن هؤلاء البشر يحملون مشاعر وانطباعات وتجارب شخصية.

فثمة وهمٌ أنيقٌ التصق طويلًا بنظرية العلاقات الدولية فى صورتها الكلاسيكية؛ ومفاده أن الدول كيانات عقلانية باردة تتحرك وفق حسابات المصلحة وموازين القوى، وأن الزعيم ما هو إلا تعبير وظيفى عن إرادة الدولة، قابل للاستبدال دون أن يتغير مسار التاريخ.

لكن التاريخ نفسه لا يكفّ عن تفنيد هذا الطرح، إذ يُظهر مرارًا أن اللحظات الفاصلة فى العلاقات بين الأمم كثيرًا ما وُلدت فى تلك المنطقة الرمادية حيث تلتقى الجغرافيا السياسية بالنفس البشرية، وحيث يُفضى توافق شخصين أو تنافرهما إلى تحويل مسار أحداث كان يُفترض أن تحكمها موازين الحسابات الصارمة لا دفء المشاعر ولا برودة الأحقاد.

لا يعنى هذا القول إن الزعماء يُديرون شؤون الأمم بعواطفهم الخام، بل يعنى أن العواطف والانطباعات والثقة المتبادلة تُشكّل الفضاء الذى تعمل فيه المصالح، وتُحدد سقف المُمكن وقاع المقبول فى لحظات الاختبار.

والتاريخ الدولى ملىء بشواهد تثبت أن اتفاقيات موقَّعة وتحالفات راسخة تبخّرت حين غابت الكيمياء الشخصية، فيما وجدت أزمات بالغة الخطورة طريقها إلى الحل حين توافر ذلك الشعور النادر بالثقة المتبادلة بين زعيمين.

خذ مثلًا تلك العلاقة الاستثنائية التى نشأت بين فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل فى أحلك سنوات الحرب العالمية الثانية.

لم يكن الرجلان متطابقين فى الرؤية ولا فى طبيعة المصالح؛ فبريطانيا المُنهكة كانت تسعى إلى الدعم الأمريكى، وأمريكا المُترددة كانت تزن ثمن الانخراط فى حرب بعيدة.

لكن اللقاء الذى جمعهما على ظهر السفينة أوجوستا، عام 1941، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولى؛ بل كان لحظة وُلد فيها «الميثاق الأطلسى» من رحم توافق شخصى عميق بين رجلَين خشيا مصيرًا واحدًا.

وقد وثّق بعض المؤرخين كيف أن روزفلت أعاد صياغة موقف بلاده من الحياد إلى التضامن الفعلى، مدفوعًا جزئيًا بإعجابه الشخصى برجل رأى فيه «تجسيدًا للإرادة الإنسانية فى مواجهة الطغيان».

وعلى النقيض من ذلك، كانت العلاقة بين صدام حسين وحافظ الأسد عنوانًا واضحًا على التنافر الشخصى وانعدام الثقة وأثرهما فى صياغة علاقات سياسية سلبية بين الزعيمين والبلدين.

وقد حدث هذا رغم انتماء كل من صدام والأسد إلى تيار أيديولوجى واحد وحزب واحد.

ورغم أن محاولات عديدة جرت لصناعة الثقة وبناء التفاهم بين الزعيمين وبلديهما فى فترات مختلفة، فإن الشكوك العميقة المُتبادلة بينهما حالت دون أى تقارب أو توافق يمكن البناء عليه.

وفى المقابل، يعطينا مشهد اللقاء بين ريجان وجورباتشوف، فى ريكيافيك عام 1986، صورة مختلفة تمامًا.

فقد جلس الرجلان فى قصر هوفدى يتبادلان الحديث حول مستقبل الترسانات النووية وسط حرب باردة اعتقد كثيرون أنها لن تنتهى إلا بكارثة.

ورغم أن اللقاء لم يُسفر عن اتفاقية رسمية، فإنه أنتج شيئًا ربما كان أثمن: الثقة المتبادلة.

فقد كتب جورباتشوف لاحقًا أنه خرج من ريكيافيك مقتنعًا بأن ريجان ليس العدو الذى رسمته له الأيديولوجيا، بل رجل «يأبى بصدق فكرة الحرب النووية».

وقد مهد ذلك الانطباع الشخصى الطريق لمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى عام 1987، التى يصفها المؤرخون بأنها كانت مستحيلة لولا ذلك الاختراق الإنسانى الذى حدث فى قصر يطل على المحيط المتجمد.

والأمثلة لا تنضب، من «مآدب ماو»، والتقارب الأمريكى- الصينى، الذى جاء فى معظمه ثمرةً لزيارة نيكسون التاريخية عام 1972، واستثماره لعنصر المفاجأة والانفتاح الشخصى، إلى العلاقة بين تاتشر وريجان، التى حوّلت المحور الأطلسى من شراكة مصالح إلى تحالف فكرى صلب.

وفى كل مرة، يتكشّف أن العامل الشخصى لم يكن هامشيًا، بل كان فى الغالب هو الذى يمنح الإرادة السياسية قدرتها على التحرك حين تتعثّر الآليات الرسمية.

ليس معنى ذلك أن الكيمياء الشخصية تُلغى بنية المصالح أو تتجاوز ضرورات الجغرافيا السياسية؛ فالحروب اندلعت بين حلفاء سابقين، والاتفاقيات أُُبرمت بين أعداء كارهين، حين اقتضت المصلحة الوطنية ذلك بصرف النظر عن المشاعر.

لكن المصلحة الوطنية ذاتها ليست مُعطى رياضيًا محايدًا؛ إنها تُفسر وتُوزن وتُترجم إلى قرارات، عبر بشر يحملون ذاكرة وكبرياء وحدسًا.

وهنا يكتسب التوافق الشخصى قيمته الحقيقية؛ ليس لأنه يصنع السياسة من العدم، بل لأنه يُوسع هامش المُمكن، ويُخفّض تكلفة الثقة، فى اللحظات التى يكون فيها كل شىء على المحك.

تبقى السياسة الدولية فى نهاية المطاف محكومةً بالمصالح، لكن المصالح لا تُترجم وحدها إلى أفعال.

إنها تحتاج دائمًا إلى إنسان يُقرر، وذلك الإنسان لا يأتى خاليًا من مشاعره وانطباعاته وثقته وشكوكه.

فالدول تتحرك بالمصالح حقًا، لكن الطريق إلى هذه المصالح يمر فى كثير من الأحيان عبر قلوب وعقول هؤلاء الذين يجلسون على مقاعد القيادة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك