إلى كونه من بين أهم مسابقات المهرجان السويسري" رؤى الواقع" (Visions du Réel)، يُعَدّ قسم" الأضواء المتوهّجة" (Burning Lights) منصة انطلاق مخرجين صاعدين، يسعون إلى توسيع آفاق السرد السينمائي.
مَنْحُ لجنة تحكيم المسابقة جائزتها لـ" الجاكَرَندا" (2026)، بالدورة الـ57 (17 ـ 26 إبريل/نيسان 2026) للمهرجان، يتطابق إلى حدّ كبير مع طبيعة القسم، وتوصيف جائزته، لأنّ في مُنجز الجزائري حسن فرحاني طموحاً كثيراً لتوسيع هذه الآفاق، وتنويع أساليب صوغه بصرياً.
ينفتح صانعه على تنويع مستويات سرد حكايته، وجعلها تتعدّى رسم بورتريه شخصي لوالده، الكاتب أمزيان فرحاني.
يجعل منه ومن مُنجزه مجازاً للتعرّف على مدينة الجزائر، وعلاقة الكاتب بها، عبر شجرة جاء بها المستعمِر، أواسط القرن الـ19، من مجاهل غابات البرازيل.
تقبّلتها التربة الجزائرية، ولم تنبذ وجودها، ولم تعاملها كغريب تطفّل عليها.
كالأرض الجزائرية، تعامل والده مع" الجاكَرَندا".
انشغل في جمع كلّ التفاصيل الخاصة بها: منبتها، وتوزيع وجودها في الأرض الجديدة، وتوصيف ما تضفيه على المكان من جمال.
يظلّ يعاملها، حتى اللحظة التي يشرع ولده في كتابة نصه السينمائي الجديد عن سيرته وسيرة الشجرة الغريبة، بوصفها جزءاً مُكمّلاً من بحثه عن مدينته، المتزينة فضاءاتها بألوان أزهارها البنفسجية، وحضورها الناطق بانفتاحها وترحيبها بكل ما يضفي عليها أهمية وجمالاً، تماماً كما رحّبت من قبل بحضارات وثقافات أخرى، وصلت إليها من بعيد، وصارت مع الوقت جزءاً من تكوينها.
من اللقطات السريعة للواجهة البحرية لمدينة الجزائر، وسطوح بيوتها، ودهاليز أزقّتها، في مفتتح الوثائقي، تظهر شجرة الجاكَرَندا بكونها جزءاً منها.
يتوقف عابرون عندها.
يقطفون بعض أزهارها، ويتشمّمون عطرها.
لا أحد منهم يسأل عن أصلها وجذرها، فبالنسبة إليهم إنّها شجرة جزائرية كبقية الأشجار الأخرى.
هذا يُغبط الكاتب، ويفسّر تلك الوقفات أمامها بوصفها جزءاً من رؤية الناس للأشياء التي تحيط بهم، وتشكّل جزءاً من تكوينهم وتكوين مدينتهم.
يذهب عميقاً في تفسيره الشواهد التاريخية.
يربط وجودها بعراقة وجود المدينة نفسها.
يرافق حسن والده في تجواله بين أزقة المدينة وشوارعها وساحاتها.
يثبت ما يعزّز نظرته العميقة إليها، ويزيل كل ما يجعلها سياحية أو معبراً لتوثيق لحظات حنين كاتب إلى ماضيه، وماضي مدينة عاش فيها وعرف شعابها.
بدلاً منها، يترك مجالاً أكبر له لعرض رؤيته وفهمه حرفة الكتابة ووظيفتها الجمالية، وذلك سيكون التميّز الأهم في وثائقي حسن فرحاني.
يعرف أن التحدّي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل تلك الرؤى والمفاهيم الفلسفية إلى كتابة سينمائية.
من حُسن حظه أنّه ولد في بيت، سجّل أفراده لحظات كثيرة من حياتهم على أشرطة فيديو، فحوّل بعض تلك الخامات التصويرية إلى مادة بصرية، لسرد جزء من تاريخ الكاتب وعائلته.
إليها، أضاف مشاهد وعناصر خارجية، وأتى بالممثل الجزائري سمير الحكيم لإدخاله إلى بعض مشاهده، عبر توكيله مهمة متابعة قراءة السيناريو ومراجعته مع والده.
هذا أعطى بُعداً روائياً للوثائقي، وزاد من الطبقات المتعدّدة لبنائه، ووسّع في الوقت نفسه دائرة تناوله ظواهر وتقلبات تاريخية واجتماعية، ذات صلة بالحياة الغنية للكاتب.
في غمرة انشغال والده بتفسير مفهوم الكتابة عنده، انتشل حسن جوانب من تجربته الحياتية ليعرف عبرها صلته بالتحوّلات السياسية والاجتماعية في الفترة التي عاش فيها.
سأله من خلف كاميرته (التصوير له، إلى الإخراج والمشاركة في كتابة السيناريو مع والده وجولييت فلامان) عن تسعينيات القرن الـ20، التي كانت إحدى أكثر الفترات السياسية في الجزائر دراماتيكية، ولشدّة قسوتها سُمّيت بـ" العشرية السوداء" (11 يناير/كانون الثاني 1992 ـ 8 فبراير/شباط 2002).
يخبره أنه، بسبب كتاباته الصحافية، تلقّى تهديدات بالقتل من الإرهابيين، وعن سؤال يليه عن سبب بقائه يقول إنه لم يرد ترك البلد، فهذا لن يحلّ مشكلته ولا مشكلاتها.
جرّب السفر سابقاً، واكتشف في فرنسا أنه يحمل معه مشكلات الجزائر إليها.
عاد بقناعة أنه في هذا المكان، عليه الكتابة والبقاء.
تزيد أحاديثه قناعة عند موثّقها، بأن عليه كتابة سيرته وعلاقته بالشجرة، التي يحبها في هذا المكان، وباللغة التي يجيدها: السينما.
في مُنجزه، رغم مساحة الكلام الكثيرة فيه، يشعر المتلقّي أنه يكتب تفاصيل حياة والده بلغة سينمائية شجاعة، تجمع بين القبول بوجود كاتب لا يعرف غير الكتابة وسيلة للتعبير، ووظيفته سينمائياً، عليه تقديم ذلك الرجل وعالمه وصلته بالشجرة البرازيلية بلغة سينمائية، لا يغيب الجمال عنها، ولا العمق.
موت أمزياني في أثناء التصوير نقل الوثائقي إلى عالم آخر، أضحى فيه الابن مُكمّلاً سيرة والده.
ذهب إلى الشوارع ليُصوّر العاجزين عن التلاؤم مع قسوة الحياة والناس، وراجع ما بحث والده من قبل عن مواقع وجود" الجاكَرَندا" في الجزائر كلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك