خلال الأسبوعين الماضيين، أجرت الإعلامية الأستاذة منى أبو زيد مقابلتين منفصلتين في “قناة بودكاست الوطنية” مع البروفيسور سليمان صالح فضيل، أعقبتهما بمقال في صحيفة “العودة”.
وقد حظيت المقابلتان باهتمام واسع، قبل بثهما وبعده، وتابعتهما قطاعات مختلفة من الشعب السوداني.
فقد بدا واضحاً أن قطاعاً من المتابعين لم يكن معنيّاً بما قيل بقدر ما كان ينتظر ما يؤكد تصوّراته المسبقة، أو يبرر موقفاً اتخذه سلفاً، أو يترقب إدانة بعينها يريد أن يسمعها.
غير أن ما يدعو للدهشة – بل للسخرية أحياناً – هو ذلك التناول الساذج الذي انزلق إليه بعض المتابعين عبر تعليقاتهم في وسائط التواصل الاجتماعي، حتى قبل بث أو الاستماع إلى المقابلتين.
فقد افتقرت جلّ التعليقات – إلا قليلاً – إلى الحد الأدنى من الموضوعية، وانحدرت إلى اتهامات لمجرد أن الرجل ينتمي إلى قبيلة بعينها، أو لأن له شقيقاً في الدعم السريع.
وكأن هذه الصلات كافية لمصادرة تاريخه العلمي والمهني، أو لإعادة تعريفه خارج سياق عطائه المعروف وانتمائه الوطني وسلوكه القويم؛ علماً بأن شقيقه المعني قد تدرّج في القوات المسلحة حتى رتبة اللواء قبل إحالته إلى التقاعد، ثم التحاقه لاحقاً بالدعم السريع.
وكما أشارت الأستاذة منى في مقالها بجريدة “العودة”: بقولها (حينما استضفت البروفيسور سليمان صالح فضيل في بودكاست الوطنية، كنت أظن أن الناس ستختلف حول ما قاله، لكنني اكتشفت أن كثيرين لم ينتظروا أصلاً ما يقوله؛ لأنهم كانوا قد أصدروا الحكم سلفاً، واكتفوا بعد ذلك بالبحث عمّا يؤيده).
ومن المعلوم أن البروفيسور سليمان عبر مسيرته المهنية والأكاديمية الممتدة لعقود، ظل قولاً وعملاً، بعيداً عن ضيق الانتماءات القبلية، ومعروفاً بانحيازه الوطني الواسع، وهو ما تجلّى بوضوح في ثنايا المقابلتين، رغم أنه لا يميل عادةً إلى استعراض ذلك أو التصريح به.
غير أن الأكثر إثارة للاستغراب – في تقديري – هو ذلك الصمت المريب من بعض زملائه وأقرانه، خاصة من الأطباء الذين عرفوه عن قرب عبر عقود طويلة، أو عملوا معه في مستشفى فضيل، ذلك الصرح الذي لا تزال شواهد عياداتهم فيه قائمة رغم ما أصابه من خراب.
صمتٌ يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.
ان الكثيرين، بل حتى عامة الناس، يدركون معنى قوله تعالى ” و لا تزر وازرة وزر أخرى”.
وكما يقول الفيلسوف الالماني كانط (1724–1804)، فإن الإنسان يُحاسَب بوصفه غايةً في ذاته، لا باعتباره جزءاً من جماعة تُسقط عليه أحكامها.
وفي سياقها الأوسع، تؤكد هذه الرؤية أن العدالة تقوم على المسؤولية الفردية، لا الجماعية.
وعليه، ليس من العدل – ولا من بقايا العقل – أن يُدان إنسان بجريرة غيره؛ لأن الكرامة الإنسانية، كما تقررها الفلسفة الأخلاقية، تقوم على معاملة الفرد بوصفه غايةً في ذاته، لا ظلاً لغيره ولا امتداداً لخطايا سواه.
ومع ذلك، يصرّ البعض على تجاوز هذا المبدأ، ويسعون إلى وضع رجل بقامة علمية راسخة مثل البروفيسور سليمان صالح فضيل في موضع الاتهام، لا بما قال أو فعل، بل بما يُنسب إلى غيره.
فليس من العدل أن يُدان إنسان لأنه شقيق لآخر، أو لأنه ينتمي إلى قبيلة بعينها.
فذلك ليس سوى سقوط أخلاقي صريح، وتراجع خطير عن أبسط قواعد المسؤولية الفردية.
فالبروفيسور سليمان لم يُدعَ إلى المنصات الإعلامية والعلمية بوصفه اسماً في شجرة نسب، بل بوصفه عالماً وطبيباً وأستاذاً أفنى عمره في خدمة الوطن وطلابه ومرضاه.
ومع ذلك، كما أشارت الأستاذة منى ابو زيد؛ فإن بعضهم كان يريد “اعتذاراً عن جرائم لم يرتكبها الرجل، وبعضهم كان يريد منه أن يحمل وزر خيارات لم يتخذها، وبعضهم كان يريد منه أن يثبت براءته من تهم لم يقدم أصحابها دليلاً واحداً عليها”.
قد اختزلوا الرجل في صلةِ قرابة، وحاكموه بقوالبَ جاهزة، كأن العلم يُمحى بالانتماء، وكأن السيرة تُلغى بالشبهة.
تجاهلوا ما قدّمه من عمل وطني وعطاء مهني، واستعاضوا عن الإنصاف بالأحكام المسبقة.
فأيُّ منطقٍ هذا الذي يطالبه بالاعتذار عن أفعالٍ لم يقترفها؟ وأيُّ عدالةٍ تُلزمه بالدفاع عن خياراتٍ لم يتخذها؟ إن المسؤولية شخصية، والإنصاف يقتضي أن يُوزن المرء بما قال وفعل، لا بما يُنسَب إليه أو يُلصَق به.
﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
إن تحميله وزر غيره ليس سوى انعكاس لعقلية مأزومة تبحث عن هدف سهل، لا عن حقيقة منصفة.
فكل من ينتمي إلى أي قوة مسلحة يتحمل مسؤوليته الفردية الكاملة عن أفعاله، أما توسيع دائرة الاتهام لتشمل الأسرة أو القبيلة فهو انزلاق نحو منطق الثأر، لا منطق العدالة.
ومن يبرر هذا النهج اليوم، إنما يزرع بذور نزاعات جديدة في الغد، لأن الظلم – مهما تبدلت صوره – يظل وقوداً دائماً للعنف.
وهنا يكمن الخطر الأكبر: وكما اوردت الاستاذة مني ابوزيد مثل هذا التفكير لا يظلم الأفراد فحسب، بل يقوّض فرص السلام والتعايش المجتمعي.
فكيف يمكن بناء الثقة في مجتمع لا يفرّق بين الفرد وجماعته؟ وكيف تنجح مبادرات السلام إذا ظل الإنسان مهدداً بأن يُدان بسبب اسمه أو انتمائه، لا بسبب فعله؟
إن السلام الحقيقي لا يبدأ باتفاقات تُوقّع، بل بإعادة الاعتبار للفرد، وترسيخ مبدأ أن المسؤولية شخصية، وأن العدالة لا تُبنى على الغضب ولا على التعميم.
ويبدأ السلام حين يطمئن كل إنسان إلى أنه لن يُحاسب إلا على ما اقترفت يداه.
فالعدالة التي تعجز عن حماية الأفراد من الظلم والاتهام الملفّق ليست عدالة، بل هدنة مؤقتة تخفي بذور الانفجار.
إن إنصاف البروفيسور سليمان صالح فضيل اليوم لا يخص شخصه وحده، بل يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزامنا بالعدالة.
فإما أن نرسّخ مبدأ المسؤولية الفردية ونضع حداً للتعميم، أو نظل ندور في حلقة الاتهام الجماعي التي لم تنتج عبر تاريخنا سوى مزيد من الانقسام.
فالعدالة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً للسلام.
وإذا سقط هذا الشرط، سقط معه كل أمل في المصالحة ومستقبل مختلف.
وما لم تُبنَ جهود السلام على هذا الأساس الأخلاقي الصارم، فستظل هشة، قابلة للانهيار مع أول موجة تعبئة أو خطاب كراهية.
!التحية والتقدير للبروفيسور سليمان صالح فضيل – فالانسان يحاسب بوصفه غايةً في ذاته، لا باعتباره جزءًا من جماعة تُسقِط عليه أحكامها.
والشكر موصول للأستاذة منى أبو زيد.
البروف: سليمان صالح فضيل والاعلامية مني ابوزيد (بودكاست الوطنية) —.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك