في مشهد يعيد إنتاج نفسه بنفس التفاصيل المأساوية، يقدم العسكر والكيزان في السودان نموذجاً فريداً في فن قلب الموازين: من كان بالأمس عدواً يُطارد ويُقاتل، يصبح اليوم حليفاً يُحتضن ويُستقدم؛ ومن كان صديقاً وأداةً في الحرب، يتحول غداً إلى عدو يُقاتل بشراسة.
هكذا تدور عجلة الفوضى التي لا تتوقف، وهكذا يظل السودان رهينة لدائرة مفرغة من التحالفات المتقلبة، صنعها عسكر وكيزان لا يهمهم سوى بقائهم على كرسي السلطة، مهما كان الثمن.
قبل سنوات قليلة، كان الجيش السوداني يخوض حروبه ضد الحركات المسلحة في دارفور، وكان الدعم السريع ذراعه الضاربة في تلك الحرب.
جبريل إبراهيم كان متمرداً، و أركو مناوي محكوماً عليه بالإعدام ومتمردآ، وقواتهما كانت هدفاً عسكريآ.
أما الكيزان، فكانوا يروجون خطاباً أمنياً متشدداً ضد “المتمردين”، ويحرقون جسور السلام تحت شعار “لا حوار مع من رفع السلاح”.
لكن اليوم، وبعد أن تغيرت موازين القوى، صار أولئك “المتمردون” شركاء في الحكم وقوات “مشتركة” تحارب إلى جانب الجيش.
والدعم السريع؟ صار العدو اللدود الذي يُقاتل بمنطق الأمس نفسه.
وهكذا، وفي كل مرحلة، يُعاد رسم خرائط الأعداء والأصدقاء وفقاً لمقتضيات البقاء في الحكم، لا وفقاً لمصلحة السودان أو مستقبله.
كوستي.
حلقة جديدة في سلسلة التوتروفي أحدث حلقات هذه المسلسل الممتد، شهدت منطقة “الروات” جنوب مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، اشتباكات بين الجيش والقوة المشتركة التي تضم حركات دارفور المسلحة، في حادثة كشفت عن هشاشة التحالف الذي يبدو من الخارج متماسكاً.
فوفقاً لمعلومات تحصلت عليها “صحيح السودان”، فإن قوة من المشتركة على متن عربتين قتاليتين رفضت الانصياع لأوامر ارتكازات الجيش عند نقطة تفتيش الروات.
ولم يتوقف الأمر عند العصيان، بل اختطفت عناصر المشتركة ضابطاً برتبة رائد من القوات المسلحة، ورقيباً يتبع للاستخبارات العسكرية، واعتدت عليهما بالضرب المبرح داخل العربات.
وعندها تدخلت قوة أخرى من الجيش، وأجبرت المشتركة على إطلاق سراح المختطفين، اللذين وصفت حالتهما بالحرجة.
وذكرت مصادر أن المواجهات شهدت استخدام الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وسط أنباء عن وقوع خسائر في صفوف الطرفين.
هذه الحادثة ليست مجرد خلاف عابر عند نقطة تفتيش، بل هي انعكاس لحالة توتر أعمق تعكس حقيقة أن التحالفات التي تُبنى على المصالح الآنية، وليس على أسس وطنية راسخة، مصيرها الانهيار عند أول اختبار.
فكيف يمكن لجيش أن يثق بحلفاء كان بالأمس يحاربهم، وكيف يمكن لهؤلاء الحلفاء أن ينسوا أن الجيش كان يسعى لتصفيتهم؟الفوضى صناعة عسكرية.
والمنقذون هم الجلادونالبرهان، الذي ورث نظاماً عسكرياً أمنياً مهلهلاً، لم يبتكر حلاً، بل خلق مزيداً من الفوضى.
راهن على العصابات المسلحة والحركات الإقليمية، وزاد من تعقيد المشهد بدلاً من تبسيطه.
واليوم يريد أن يظهر بمظهر “المنقذ” للوطن، وكأنه لم يكن طرفاً في خلق هذه الكارثة.
لكن السودانيين ليسوا بحاجة إلى منقذين يستبيحون دماءهم ليمارسوا سلطة لا شرعية لها.
فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني يخرج من رحم التوافق، لا إلى مليشيات متناحرة تتاجر بدماء الشعب تحت شعارات زائفة.
فهل يدرك البرهان وأعوانه أن التاريخ لن يرحمهم؟ وأن دماء السودانيين التي تتدفق اليوم في دارفور وفي أي بقع في الوطن ستكتب ضدهم في سجل العار، لا في سجل البطولة؟ أم أن الدائرة التي لا تتغير ستستمر في الدوران، وستظل الساحة السودانية مفتوحة لكل من يريد أن يتاجر بدمائها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك