في خضم المعارك العنيفة التي شهدتها غزة على مدار عامين، والآن في جنوب لبنان، تكشفت ملامح أزمة تضرب صلب وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، وعلى وجه التحديد، تبرز" الكتيبة 52" التابعة للواء المدرعات 401 كنموذج واضح لحالة الاستنزاف غير المسبوقة.
وقد تحولت هذه الكتيبة، التي طالما تباهت بها المؤسسة العسكرية، إلى مسرح لتساقط القادة بشكل متتال، بالتزامن مع سجل مظلم من الجرائم الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين وتدمير قراهم في غزة.
list 1 of 2خوفا من طرد رقمي مفاجئ.
سفير واشنطن بإسرائيل يتفقد حسابات ترمبlist 2 of 2بين تفويض وتوضيح.
كيف قرأ جمهور المنصات علاقة دمشق مع حزب الله؟وفق الوثائق الرسمية للجيش الإسرائيلي، تأسست الكتيبة 52، المعروفة باسم" الخارقون"، مارس/آذار 1947، وتتفاخر الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بتاريخ هذه الكتيبة في معارك النقب وصد الجيش المصري وتكوينها الذي يشمل سرايا قتالية مثل" فامبير" و" رأس الحربة".
لكن الواقع الميداني في قطاع غزة رسم صورة مغايرة تماما لهذه السردية، حيث اقترن اسم الكتيبة بأبشع جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش على مدار عامين من حرب الإبادة الجماعية.
وقد ارتبط اسم هذه الكتيبة بمسح مناطق سكنية كاملة، وعلى رأسها تدمير قرية" أم النصر" الواقعة في شمال قطاع غزة وتسويتها بالأرض.
والأسوأ من ذلك، هو ارتباط قوات الكتيبة 52 بجريمة هزت الضمير العالمي، والمتمثلة في إعدام الطفلة الفلسطينية هند رجب مع أفراد عائلتها وطواقم الإسعاف التي حاولت إنقاذها في مدينة غزة، لتترك الكتيبة خلفها إرثا من الدموية المفرطة ضد المدنيين.
مقصلة القيادة.
انهيار هرم الكتيبة 52وعلى وقع هذه الجرائم، يبدو أن خطوط القتال تحولت إلى مصيدة محكمة لقيادات هذه الكتيبة، وبحسب ما نشرته صحف ومواقع إسرائيلية، فإن جميع قادة الكتيبة منذ بداية الحرب على غزة ولبنان بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد تعرضوا للقتل أو الإصابة في ساحات المعارك، وفق التسلسل الآتي:المقدم دانيال إيلا (يوليو/تموز 2024): القائد الأول للكتيبة في هذه الحرب، تعرض لجروح متوسطة خلال القتال في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وتم نقله لتولي مهام التدريب بعد علاجه.
المقدم يهودا شاليف (أكتوبر/تشرين الأول 2024): القائد الثاني، تعرض لجروح بالغة الخطورة إثر انفجار عبوة ناسفة في جباليا شمال غزة، وهي ذات الحادثة التي سقط فيها قائد اللواء 401 العقيد إحسان دقسة.
ولا يزال شاليف يخضع لمسار طويل من إعادة التأهيل.
المقدم أور يول (أبريل/نيسان 2026): القائد الثالث للكتيبة، تعرض لإصابة حرجة خلال القتال في بنت جبيل بجنوب لبنان.
المقدم دور بن شمحون (أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026): القائد الرابع للكتيبة، سقط قتيلا قبل أيام مع ثلاثة من جنوده، إثر تعرض دبابة القيادة الخاصة به لضربة مباشرة بصاروخ مضاد للدروع أطلقه مقاتلو حزب الله في قرية كفر تبنيت، شمال قلعة شقيف التاريخية في جنوب لبنان.
ولم تقتصر الخسائر على مستوى الكتيبة، بل طالت قمة هرم اللواء 401 المدرع، حيث فقد اللواء قائده العقيد إحسان دقسة في جباليا، بعد كمين للمقاومة وقع في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024 شمالي قطاع غزة.
في حين تعرض خليفته العقيد مئير بيدرمان لإصابة بالغة الخطورة مايو/أيار الماضي إثر هجوم بطائرة مسيرة متفجرة في قرية دبل اللبنانية، ووصفت" يديعوت أحرونوت" هذا التساقط بأنه" تلقي سلسلة القيادة لضربات قاسية مرة تلو الأخرى"، مؤكدة أن اللواء 401 بأسره دفع كلفة باهظة في هذه المواجهات.
أزمة التدريب.
الترقيع على حساب الكفاءةولا يمكن فصل هذا الانهيار القيادي عن الأزمة التي تعصف بالجيش الإسرائيلي نتيجة حالة الحرب المستمرة، ففي تقرير نشرته وسائل إعلام إسرائيلية في أغسطس/آب 2025، تم الكشف عن أزمة في صفوف القوات المدرعة نتيجة النقص الحاد في أعداد المقاتلين.
ولمواجهة هذا العجز، قرر الجيش الإسرائيلي خفض المستوى المهني في تدريب جنود احتياط المدرعات بصورة خطيرة، حيث تم تقليص مدة التدريب التحويلي بنسبة 50%، لتقتصر على 5 أيام فقط للتدريب على دبابات من طراز قديم (ميركافا مارك 3 عوضا عن مارك 4).
وأعرب ضباط في اللواء الرابع عن قلقهم البالغ من هذا الإجراء، مشيرين إلى أن 5 أيام تكفي فقط لتشغيل أساسي للدبابة، لكنها لا تؤهل الجنود للتعامل مع مواقف قتالية معقدة، متسائلين باستنكار عن حكمة إرسال قوات غير مؤهلة إلى حدود حساسة ومشتعلة.
ورغم اعتراف ضابط كبير في الجيش بتقليص التدريب مبررا ذلك بضرورة سد النقص وتخفيف العبء عن جنود الاحتياط، إلا أن التقرير خلص إلى نتيجة واضحة تتمثل في أن الجيش يعتمد سياسة الارتجال ويخفض المعايير بصورة تجعل التداعيات الأمنية في غاية الخطورة.
ولا تقتصر هذه الخسائر القاسية على اللواء 401 والكتيبة 52، بل تعكس مشهد أوسع لخسائر الجيش الإسرائيلي في الجبهة الشمالية، وتشير المعطيات العسكرية الإسرائيلية إلى مقتل 36 من الضباط والجنود في المواجهات مع مقاتلي حزب الله منذ اندلاع جولة القتال 2 مارس/آذار الماضي.
وتترافق هذه الحصيلة مع إصابة العشرات من العسكريين، وذلك نتيجة تكثيف حزب الله لضرباته عبر استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الموجهة بكثافة ضد تجمعات القوات الإسرائيلية المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية.
وكشفت هيئة البث الإسرائيلية عن توجه لتقليص أعداد القوات في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة، بالاستناد إلى تقييمات عسكرية تفيد بانتهاء معظم المهام الهجومية المخطط لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك