حين وقف كير ستارمر أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت بعد فوزه الساحق في انتخابات يوليو/تموز 2024، بدا وكأنه الرجل الذي سيطوي صفحة سنوات الاضطراب السياسي التي عاشتها بريطانيا.
ولكن بعد 23 شهرا فقط في السلطة، ها هو يعلن استقالته تحت ضغط الخسائر الانتخابية والانقسامات الداخلية وتراجع الثقة الشعبية.
تقول صحيفة إندبندنت البريطانية إن استقالة ستارمر جاءت عقب سلسلة من الضربات السياسية المتلاحقة، كان آخرها فوز عمدة مانشستر الكبرى السابق آندي بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية.
list 1 of 2المراقب والحريديم وترمب.
خيارات نتنياهو الصعبةlist 2 of 2بين أخطاء الخوارزميات وتراجع المهارات.
هل بدأ عصر محاسبة الذكاء الاصطناعي؟وطبقا للتقرير، اعتبر كثيرون داخل حزب العمال فوز بيرنهام دليلا على وجود شخصية قادرة على التصدي لصعود حزب" إصلاح المملكة المتحدة" بزعامة نايجل فاراج، بصورة أكثر فاعلية من ستارمر.
ومع ذلك، تؤكد الصحيفة أن رحلة التراجع لم تبدأ مع تلك الانتخابات، بل سبقتها محطات عدة أضعفت موقع رئيس الوزراء تدريجيا.
ومن هذه الأمثلة تراجع الحكومة عن خطط لتقليص الإنفاق الحكومي على ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك بعد تمرد واسع داخل البرلمان، إضافة إلى الجدل الذي أثارته قرارات اقتصادية مثل تقليص مخصصات دعم التدفئة الشتوية لكبار السن.
ومن بين الأزمات التي لاحقت ستارمر أيضا، فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن، والذي انكشفت لاحقا علاقته بالملياردير الأمريكي المتهم بالاتجار بالقاصرات جيفري إبستين.
وقد كشفت ملفات إبستين عن علاقة عميقة ومستمرة بين الرجلين، تضمنت مناقشة قضايا سياسية حساسة قد تمس أمن بريطانيا القومي، مما أثار غضبا شعبيا وسياسيا واسعا، بحسب إندبندنت.
وتُسلط إندبندنت الضوء كذلك على موجة الاستقالات الوزارية التي هزت حكومة ستارمر، إذ شهدت ولايته استقالة عشرين وزيرا، بينهم وزير الدفاع جون هيلي الذي غادر منصبه احتجاجا على مستويات الإنفاق العسكري.
بدوره، يرى كريس سميث، محرر الشؤون السياسية العامة في صحيفة فايننشال تايمز، أن جذور السقوط كانت أعمق من مجرد أزمات متفرقة أو أحداث سياسية عابرة.
وبحسب تحليله، تكمن المشكلة الأساسية في غياب رؤية سياسية واضحة للحكومة منذ اليوم الأول لوصولها إلى السلطة.
وينقل سميث عن أستاذ السياسة بجامعة أكسفورد بين أنسيل قوله إن ما حدث كان" فشلا قياديا بالدرجة الأولى"، مضيفا أن ستارمر تجنّب اتخاذ" المغامرات الكبرى" الضرورية في ملفات الضرائب والهجرة والرعاية الاجتماعية، وفشل في تقديم رواية سياسية مقنعة تشرح للناخبين ما الذي يريد تحقيقه ولماذا.
ويشير المحرر إلى أن ستارمر -الذي لا يملك خبرة طويلة في السياسة- وصل إلى السلطة بوصفه رجل الإدارة الكفؤ الذي سيعيد الاستقرار للبلاد بعد سنوات من الفوضى السياسية، بفضل خلفيته القانونية في مجال حقوق الإنسان وعمله السابق مدعيا عاما.
غير أن هذه الخلفية نفسها تحولت لاحقا إلى نقطة ضعف، إذ بدا مترددا وحذرا أكثر من اللازم في اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة.
ونقلت فايننشال تايمز عن أحد الأشخاص الذين عملوا مع ستارمر قوله إنه دخل رئاسة الحكومة" من دون برنامج حكم واضح ومن دون نظرية للتغيير"، مضيفا أنه كان يتعامل مع كل قضية من دون خبرة عميقة مسبقة، مما جعل حتى المقربين منه غير متأكدين مما يريد تحقيقه فعليا.
ولسد هذه الفجوة العملية، اعتمد ستارمر على دائرة ضيقة من المستشارين، وبدّل عددا من كبار المسؤولين والمساعدين في محاولات متكررة لتحسين موقعه السياسي، لكن هذه الخطوات لم تحقق النتائج المرجوة، وفق التحليل.
وبمرور الوقت، أصبحت الحكومة تبدو بلا اتجاه سياسي واضح، بينما استمرت استطلاعات الرأي في تسجيل تراجع الدعم الشعبي لها.
وشهدت ولاية ستارمر أيضا اختبارا صعبا على الساحة الدولية مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
فبحسب صحيفة إندبندنت، رفض رئيس الوزراء الانضمام إلى دعوات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتأييد الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران، مفضلا اتباع نهج أكثر حذرا كعادته.
وأدى هذا الموقف إلى توتر غير مسبوق في العلاقة بين لندن وواشنطن، بعدما اتهم ترمب بريطانيا بعدم الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في لحظة اعتبرها حاسمة.
ويرى سميث في مقاله بفايننشال تايمز أن الخلاف مع ترمب كشف جانبا آخر من أزمة قيادة ستارمر، فبينما استطاع في البداية إدارة العلاقة البريطانية الأمريكية بنجاح، انتهى الأمر به في مواجهة انتقادات داخلية وخارجية في آن واحد.
وتزامن التوتر مع واشنطن مع أزمات داخلية متراكمة، مما عزز الانطباع لدى كثير من النواب والناخبين بأن حكومة ستارمر تفتقر إلى السردية السياسية الواضحة والقدرة على فرض أجندتها في الداخل والخارج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك