ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفنا في هذه السطور الأديب القاص مدحت الخطيب والذي أهدي بوابة “الجمهورية والمساء أون لاين” أحدث إبداعاته في ثياب القصة القصيرة تحت عنوان “يا رضا”.
رضا.
إنه الطفل ذو السنوات العشر.
حين تراه للوهلة الأولى تشعر أن هذا العمر أكبر من جسده بمراحل.
هو في أغلب الأوقات ملتزم بالصمت، ويميل إلى الأمام قليلا، وكل عين نصف مفتوحة ونصف نائمة، وفيهما إرهاق غريب يشعرك أنه لم يعرف الراحة حتى من قبل مولده بمائة عام.
أنفاسه متحشرجة ذات شهيق وزفير يتسمان بالصعوبة والمشقة وعدم الانتظام كأنه يجري وراء شيء لم يصله قط.
وأما يداه فممسكة في طرف ملابس أو في يدي أمه، ليس لكونه مدللا، ولكن لاحتياجه من يثبته في دنياه.
يرفع وجهه كثيرا، ثم سرعان ما يعود به وكأن شيئا لم يكن.
وكل من يراه سيعتقد من أول مرة ودون سؤال، أن هذا الطفل مريض، وأي تأخير بسيط في العلاج قد يكون ثقيلا عليه.
ورغم أنه لم يوجد من قال جملة صريحة، ولا يوجد أي تشخيص واضح، إلا إن الصورة كلها كانت تقول أن رضا هو الذي في خطر، وهو الذي يلزمه الوصول إلى المستشفى بسرعة.
خرجا من البيت مبكرا وقت أن كان الهدوء في الشارع والهواء يحمل نسمة خفيفة من الهواء البارد.
أمسكت أمه يدي طفلها بقوة، فقد كانت تخاف عليه من السقوط على الأرض إن هي تركتهما في أي لحظة، وكان يمشي بجانبها بخطوات ثقيلة، وكل خطوة عنده محسوبة كمن يمر فوق أرض غير ثابتة، ولا كلام كثير بينهما، ولكن الأم كانت كثيرة النظر إليه بقلق مكبوت، ثم تكمل طريقها في محاولة منها بأن تظل متماسكة.
كان الطفل صامتا، ورأسه مائلة قليلا، وعيناه ليستا في شيء محدد.
وكان الطريق إلى المستشفى واضحا، لكن الإحساس به جعله ثقيلا.
وقفا أمام المصعد وحاولا الدلوف داخله ولكن الباب كان لديه إصرار ألا يفتح لهما رغم أنه في ذات الطابق الذي هما به، ومع ذلك ضغطت الأم مفتاح الصعود والهبوط وعيناها تتجهان نحو ابنها الواقف يمينها متكئا على الحائط في محاولة منه لاتزان نفسه.
مرت ثوان، ثم دقائق، ولا يزال المصعد في حالة صمت تام، وبدأ الطفل يتقدم إلى الأمام قليلا بقدميه الثقيلتين وأنفاسه المتسارعة، فوضعت أمه على الفور يدها على ظهره لئلا يسقط على الأرض، وقالت بصوت منخفض كأنها تكلم نفسها أكثر منه:لم يرد عليها وإن كانت اهتزازة رأسه أوضحت أنه يفهم كل شيء وغير قادر على الاعتراض.
وقرر المصعد إنهاء العقوبة التي فرضها على الطفل وأمه، ففتح لهما بابه، فدخلا على عجل، فأمسك الصغير طرف ثوب أمه، ووقف في المنتصف، ثم انغلق الباب وشرع في الهبوط، ومع كل ثانية تمر دون الوصول إلى المستشفى يزداد الألم والمرض في الجسد.
استأجرا سيارة لتعوضهما عن الوقت المتأخر الذي يضيع هدرا، ولكن بدا من أول لحظة أن الأمور تسير في عكس رغبتهما، فالزحام خانق، والناس تكاد تقف فوق بعضها، والكل على عجل بطريقته، وأما هو فقد جلس بجوار أمه ويده في يدها، وما بين لحظة ولحظة تغمض عيناه فيحاول فتحهما بصعوبة.
كانت المواصلات تتأخر بلا سبب واضح، وكلما حاول السائق التقدم خطوة تأخر من جديد، فالطريق توقف فجأة، ثم حدث شجار بين قائدي سيارتين اصطدما في بعضهما، ثم بعد ذلك هناك إصلاحات في شبكة المجاري، فالمشهد سلسلة متكسرة، وكل حلقة فيها توقف ما بعدها.
ومع كل إيقاف كان يظهر على الصغير شدة التعب وازدياد المرض، وهو وإن لم يشك بلسانه إلا أن ملامحه كانت تفضحه، وكانت أمه تنظر حولها بسرعة في محاولة منها لإيجاد مخرج مما هما فيه، ولكن لا شيء يتحرك بسهولة.
حتى الإشارات والتقاطعات كانت تطول، وكل دقيقة تمر هي ثقيلة بشكل غير طبيعي، وكأن هناك من له مصلحة في عدم وصولهما مبكرا إلى المستشفى.
وبعد طول معاناة وصلاها، وظهر المبنى أمامهم كبيرا ومزدحما، وفي كل مكان يدخل الناس، ومن كل اتجاه يخرجون، وحين رأى الصغير الباب صارت خطواته أبطأ عن ذي قبل، وكانت يده لا تزال في يد أمه، بيد أن قبضته صارت أضعف، وبدت ملامحه المنهكة أكثر وضوحا، ووجهه ازداد شحوبا، وأنفاسه المتقطعة بدت بشكل ملحوظ.
دخلا من الباب الزجاجي وسط أصوات الأجهزة والكلام السريع ومن يجري هنا ويركض هناك، وكان يمشي وكل خطوة يخطوها بألم وعذاب، وأمه تنظر أمامها بإصرار ولا تسمح لنفسها بالوقوف في هاتيك اللحظات.
وقفت أمام شباك التذاكر والزحام حولها لا يترك مساحة للتفكير، فمدت يدها بسرعة فوضعت المبلغ النقدي أمام الموظفة، وقالت دون أن ترفع صوتها:مدت الموظفة يدها فتناولت المبلغ ثم خطفت نظرة نحو الأم، ثم ناولتها التذكرة دون أن تنبس معها ببنت شفة، فاستلمتها في هدوء وعادت إلى صغيرها الذي كان لا يزال مستندا على الحائط، فاتجها إلى قاعة الانتظار، فإذا هو مكتظ بالأصوات الخفيفة والهمهمات المتقطعة، وكل مريض ينتظر دوره في صبر ثقيل.
جلس الصغير على كرسيه بصعوبة وظهره يميل إلى الأمام قليلا، بينما يداه على ركبتيه، وقد حل عليه التعب من كل النواحي، ولولا عناية الله لسقط مغشيا عليه من شدة الإرهاق، ولا تملك أمه إلا النظر إليه والاطمئنان عليه.
وإذ هما كذلك، خرج الممرض من الباب ونادى بصوت واضح:قالها بأسلوب طبيعي جدا كأنه نداء روتيني وسط عشرات النداءات المتكررة في المكان، فرفع الصغير رأسه، ثم نهض وأمه من على مقعديهما، فتحركا تجاه غرفة الكشف وقد أبط كل منهما الآخر، ثم دلف هو أولا إلى الداخل، ثم تبعته أمه بلحظة.
كان الممر قصيرا، لكن الصغير خطاه كأنه أطول من اللازم، وكل خطوة كانت محسوبة، وكل ثانية وهو يتقدم كانت تؤكد أنه مريض وكل لحظة تمر دون فحصه طبيا ووصف العلاج الناجع له هي ضد حالته الصحية.
رفع الطبيب عينيه أول أن رآهما، ونظر على الفور إلى الصغير الواقف أمامه، ولم يكن الطبيب بحاجة إلى معرفة مدى التعب والإرهاق الذي يعانيه، فملامح الصغير تكاد أن يكون لها لسان تستجدي به الرحمة والعلاج.
وحول الطبيب نظره إلى التذكرة حتى يعرف اسم المريض، ثم سأل الصغير بهدوء:ـ أعاني من آلام شديدة في صدري.
وأرى الدنيا تدور حول رأسي.
وهناك صعوبة بالغة وآلام في التنفس.
هز الطبيب رأسه وهو يكتب ملاحظاته، ثم استطرد متسائلا:ـ منذ متى؟
وهل تتناول وجباتك الغذائية بانتظام؟
وهل هناك مشاكل في النوم؟
كان يرد ببساطة وتلقائية ويجيب عما يشعر به دون زيادة أو نقصان، وكانت أمه بجواره ملتزمة الصمت.
وضع الطبيب قلمه على المكتب، ثم نظر إليه بهدوء، وأشار ناحية الستار، وقال:ـ ادخل يا رضا واستلق على سرير الكشف خلف الستار.
التزم الصمت ولم يتحرك من مكانه، وأخذ ينظر إلى الطبيب مستغربا، ثم التفت إلى أمه مندهشا، وفي عينيه سؤال إجابته مبهمة، فبادلته النظرة الهادئة دون كلام، فكرر الطبيب طلبه بنفس النبرة الهادئة وكأنه ظن أن الصغير متردد أو خائف من شيء ما.
وظل الصغير صامتا ثابتا وملامحه فيها الحيرة.
ثم جاءت لحظة قصيرة سكت فيها صوت الورق والنفس وحركة اليد وكل شيء في الغرفة.
ثم أخذت أمه خطوة بهدوء إلى الأمام ونظرت للطبيب وقالت بصوت ثابت:ـ يبدو أن الأمور التبست عليك.
فالمريض هو أنا.
رفع الطبيب عينيه بسرعة، وقبل أن ينطق بشيء استطردت موضحة وهي تشير إلى نفسها:ـ أنا رضا.
اسمي رضا.
كلانا اسمه رضا.
صمت لحظة ثم نظرت إلى الطفل، ثم أردفت وهي تشير إليه:ثم أشارت إلى صدرها وقالت:ـ وأنا أيضا رضا.
والتذكرة تخصني أنا وليس هو.
هو مريض وأنا مريضة.
ولكنه جاء من أجلي أنا، فهو زوجي وابني وعائلتي ودنياي، وهو معي لأسند ظهري إليه وأتوكأ عليه.
تبدلت ملامح الطبيب في هذه اللحظة، وأخذ يعيد ترتيب الأحداث منذ أن دخلا غرفة الكشف، والأسئلة والإجابات وشكل الصغير والتعب والإرهاق الواضح عليه، وكل هذا بدأ يأخذ معنى مختلفا تماما.
ثم التزم الصمت لحظة قصيرة ليعيش الواقع الجديد الذي تغير فجأة، ثم أشار إليها بالاستلقاء على سرير الكشف خلف الستارة، فهزت رأسها وبدأت تتحرك بهدوء دون اعتراض، ودخلت خلف الستارة بالفعل فأغلقتها خلفها لتفصل بين اللحظة الحاضرة وما سيكون بعد قليل.
وأما الصغير فقد وقف في مكانه داخل الغرفة أمام الستارة مباشرة، فلم يتحرك، ولكن عينيه تتعلقان بالناحية الأخرى.
ثم تحرك الصغير بعد لحظات قصيرة بهدوء إلى خلف الستارة ليكون بجوار أمه أثناء الكشف، فكان السرير في المنتصف، والإضاءة البيضاء ثابتة.
وجاء الطبيب، وحين وقعت عيناه على السرير، وقف وتسمر مكانه، فالأم كانت مستلقية في هدوء تام مختلف عن أي هدوء رآه قبل ذلك، فاقترب بسرعة، ونظر في عينيها، ووضع بطن كفه على جبهتها، وأخذ ينادي عليها، لكنها لم ترد عليه.
كانت الأمور اتضحت قبل أن تقال، فالوقت الذي تأخرت فيه طول الطريق مع صغيرها، والزحام والعطل وكل لحظة ضاعت في الطريق، كل هذا وذاك يقف الآن في صورة واحدة ساكنة وصامتة على السرير.
لم يتحرك الصغير، ولكنه أمسك بيده طرف الستارة التي سقطت ببطء، ومع الصمت الذي غطى الغرفة، كان من الواضح أن الكشف بدأ متأخرا جدا عن وقته الحقيقي.
وبدأت كل الأحداث تظهر بشكل مختلف كأن الصورة انعكست من الداخل، فاللحظات اللي كانت تبدو في البداية مجرد ظروف معتادة أو طبيعية كتعطل المصعد والزحام وتأخير المواصلات ومشكلات الطريق، ما عاد يصح رؤياها كأحداث منفصلة.
وكل عقبة حدثت كانت في الحقيقة تقص من وقت الحياة، ذلك الوقت الذي كان يجري بسرعة الضوء دون أن يشعر أحد، فالمصعد المتوقف لم يكن مجرد عطل، بل دقيقة من العمر ضاعت، والزحام الذي شل الحركة كان ساعات تنسحب من العمر بهدوء، وكل موقف بسيط كان يعمل كأنه جزء من سلسلة طويلة تقرب النهاية خطوة خطوة.
وبعد أن هدأ كل شيء، جلس وحده في الركن القريب من الغرفة، مبتعدا قليلا عن السرير خلف الستارة، والكون كله في سكون تام، ثم بيده المرتعشة تناول حقيبة أمه، وفتحها ببطء والتقط هاتفها.
كانت الحياة أمامه مسجلة في شكل أرقام، فقائمة الأسماء طويلة ما بين أقارب وأصدقاء وجيران ومعارف و … الخ.
كان يقلب بعينيه دون أن يضغط على أي اسم، ثم رفع عينيه للحظة ناحية الستارة، ثم عاد فنظر إلى الهاتف مرة أخرى، فوجد كل الأسماء موجودة، ولكن اللحظة نفسها خلت من أي واحد فيهم.
وحينئذ جلس وحده في ذلك المكان الذي اختفى فيه كل شيء قبل قليل، وفي يده الهاتف وكأنه لا يعرف إن كان عليه فتحه أم تركه مغلقا، وكانت عيناه تذهب إلى الشاشة مرة، ثم إلى الفراغ القابع خلف الستارة مرة أخرى، وكل ما حوله ساكن، فالضجيج والإزعاج بداخله هو وليس في المستشفى.
وظل رضا هكذا هنيهة، ثابتا في مكانه، إلى أن أنزل رأسه بهدوء، وظهر له صوت منخفض هو أقرب إلى الهمس، وقال وهو ينظر إلى ما بين التليفون والستارة:ـ ماذا لو أن واحدا فقط من بين هؤلاء اتصل اليوم يا رضا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك