لندن- “القدس العربي”: ينضم رئيس الوزراء العمالي، كير ستارمر، إلى قائمة من الرموز التي مرت على بريطانيا خلال عقد من الزمان، تغيرت فيها رؤساء الوزراء بمعدل قياسي، حيث استقال، منذ قرار المحافظ ديفيد كاميرون الدعوة إلى الاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي، ستة رؤساء وزراء، وفي أقل من عشر سنوات، لدرجة دفعت بعض المعلقين للقول إنك مهما فعلت في بريطانيا فلن ينفع معها شيء، وإنها عصية على الحكم.
وخلافا لحقبة المحافظين التي اتسمت بالاقتتال الداخلي والخلافات داخل الحزب، فإن رحيل ستارمر مثير للدهشة، حيث جاء إلى الحكم عام 2024 بتفويض شعبي واسع بعد الفوز الساحق الذي حققه حزبه، لكنه حول النجاح إلى تراجيديا، كما يقول المحرر السياسي في صحيفة “الغارديان”، بيتر وولكر.
ففي الوقت الذي لم يأل جهدا في تطهير صفوف الحزب من مؤيدي الزعيم السابق للحزب، جيريمي كوربن، بل وعزل الأخير من الحزب، إلا أن القوة التي حققها شلت عزيمته حول كيفية استخدامها.
خلافا لحقبة المحافظين التي اتسمت بالاقتتال الداخلي والخلافات داخل الحزب، فإن رحيل ستارمر مثير للدهشة، حيث جاء إلى الحكم عام 2024 بتفويض شعبي واسع بعد الفوز الساحق الذي حققه حزبه، لكنه حول النجاح إلى تراجيدياوالسبب واضح في أنه لم يكن يملك كاريزما الزعماء السابقين للحزب، فقلة من المراقبين تصفه بالرجل الدرامي، مع أن مسيرة ستارمر السياسية كانت أشبه بمسرحية شكسبيرية، فبعد أحد عشر عاما فقط في البرلمان، قاد حزب العمال إلى فوز انتخابي اعتبره الكثيرون مستحيلا، ثم في العامين الأخيرين، أضاع كل شيء.
وتقول الصحيفة إن سقوطه يعكس، بطبيعة الحال، حقبة غير مسبوقة، تفتتت فيها ولاءات الناخبين وتفككت فيها هيمنة الحزبين إلى خمسة أحزاب، ولأول مرة في التاريخ، واجه حزب العمال تهديدا حقيقيا من اليسار واليمين على حد سواء.
وربما لم يكن أحد ليقود الحزب خلال كل هذا.
لكن حتى أقرب حلفاء ستارمر ومؤيديه سيقرون بأنه كان مخطئا إلى حد كبير.
فلم يسبق لأي رئيس وزراء حديث أن بدا مؤهلا للمنصب على الورق، وكان عاجزا إلى هذا الحد في الممارسة.
و”لم يكن ستارمر يعرف ما يفعله من ثلاثة جوانب”، كما قال أنتوني سيلدون، المؤرخ الذي كتب سير جميع رؤساء الوزراء من جون ميجور إلى ريشي سوناك.
أولا، لم يدرك قط ماهية الوظيفة، فما هي مهام رئيس الوزراء؟ ثانيا، لم يكن يعرف ما يريد فعله، وبخاصة فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية.
ثالثا، لم يكن يعرف من يختار للمناصب.
وبمجرد حدوث هذه الأمور الثلاثة، لن ينجح الأمر أبدا، ومن هنا تظل مسألة الانهيار مسألة وقت.
قد يبدو هذا الكلام قاسيا، لكن من الصعب تجاهل الشعور السائد بأن السياسي البارع في الفوز بزعامة حزب العمال، ثم قيادة الحزب نحو النصر، يصاب بالشلل أمام الخيارات اللامتناهية للسلطة، ويختبئ وراء قاموس متضخم من المهام والأهداف وخطط التغيير.
وقد لاحظ بعض العاملين مباشرة مع ستارمر هذه الفجوة بين الحملات الانتخابية والحكم، بقلق بالغ، في الأيام الأخيرة قبل فوز حزب العمال الساحق في انتخابات تموز/يوليو 2024، التي حقق فيها اكتساحا في المقاعد، إن لم يكن في التصويت الشعبي.
وربما ألقى البعض باللوم، جزئيا على الأقل، في هذه البداية المتعثرة، على سو غري، الموظفة الحكومية المخضرمة التي كانت رئيسة ديوان ستارمر، وهي مثال آخر على شخص كفؤ للغاية في وظيفة لا تناسب مواهبه.
ويقول آخرون إن الخطأ يقع على عاتق ستارمر نفسه، لفشله في تكييف نهجه من زعيم معارض يحاول إعادة بناء حزبه بعد انتخابات 2019 الكارثية، إلى رئيس وزراء منتظر، مما يعني أنه وصل إلى مقر رئاسة الوزراء دون خطة.
وقال ديفيد رونسيمان، عالم السياسة والمؤلف: “اعتقد ستارمر أنه يواجه مهمة صعبة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في الانضباط وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الانتخابات المقبلة.
لكن في الواقع، منذ منتصف تلك الدورة البرلمانية تقريبا، أي منذ لحظة تعيين ليز تراس لكواسي كوارتينغ وزيرا للخزانة، كان حزب العمال سيفوز في الانتخابات المقبلة مهما كانت النتائج”.
يقول البعض إن الخطأ يقع على عاتق ستارمر نفسه، لفشله في تكييف نهجه من زعيم معارض يحاول إعادة بناء حزبه بعد انتخابات 2019 الكارثية، إلى رئيس وزراء منتظر، مما يعني أنه وصل إلى مقر رئاسة الوزراء دون خطةكان أمامهم عامان للاستعداد، لكنهم لم يستعدوا، وسرعان ما حل مورغان ماكسويني محل غري، وهو الذي كان العقل المدبر لنهضة حزب العمال السريعة وغير المتوقعة بعد جيريمي كوربن، ولكنه كان غير مؤهل للمنصب أيضا، وكان إرثه الأبرز هو التعيين الكارثي لبيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن.
وبينما يختلف ستارمر سياسيا عن بوريس جونسون اختلافا واضحا، إلا أنهما يتشابهان في بعض الجوانب، لا سيما التغييرات المتكررة وغير المثمرة في فرق القيادة العليا، والتي أعقبها إدراك متزايد بأن المشكلة لم تكن في المساعدين، بل في الرجل الذي يقف في قلب السلطة.
وفي صدى آخر لعصر جونسون، أظهرت الوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون أن ستارمر كان أقرب إلى واجهة منه إلى قائد، حيث كانت القرارات تتخذ في أماكن أخرى، وكان رئيس الوزراء مجرد من يختم.
لكن آخرين يخالفون هذا الرأي، فقد وصفه أحد المقربين منه، والذي عمل عن كثب مع ستارمر عندما كان رئيسا للوزراء، بأنه ليس مجتهدا فحسب، بل فعال أيضا.
وأشار هذا المقرب إلى أن جزءا كبيرا من عمل ستارمر كان قائما على إيمانه الراسخ بالعدالة.
لكن آخرين يرون أن أحد الأسباب الرئيسية لفشله هو افتقاره إلى نظام معتقدات سياسية واضح.
وفي جانب جوهري، يختلف ستارمر اختلافا كبيرا عن رؤساء الوزراء الأربعة الذين تولوا رئاسة الوزراء بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحت قيادة حزب المحافظين.
فقد كان كل من تيريزا ماي وجونسون وتراس وريشي سوناك شخصيات غير مألوفة إلى حد ما، سواء أكانوا خرقاء أو يميلون إلى كراهية البشر أو ضيقي الأفق لدرجة التذمر أو منعزلين وسريعي الغضب.
وفي المقابل، يتحدث كل من يعرف ستارمر عن طبيعته العادية، فمع خلفيته المتواضعة في ضواحي المدينة وولعه بكرة القدم والذهاب إلى الحانات، كان من الممكن أن يكون نموذجا مثاليا لمجموعة نقاش، فضلا عن اجتماعيته وشبكة معارفه الواسعة، وكثير منهم من خارج عالم السياسة.
ومما يثير استياء كل من عمل مع ستارمر تقريبا، أنه على الرغم من كل هذا، فإن سمعته العامة لا تقتصر على كونه شخصا مملا فحسب وآليا، بل أيضا منفصلا عن الواقع، وربما بفضل لقب “سير” الذي منح له تقديرا لعمله في النيابة العامة، ينتمي إلى الطبقة الراقية أيضا.
ويعرب الأصدقاء والزملاء باستمرار عن حيرتهم من أن الشخص الذي يعرفونه بأنه منفتح ومفكر ويملك روح الدعابة في كثير من الأحيان في جلساتهم الخاصة، يبدو وكأنه يتجمد من الخوف كلما وجه إليه ميكروفون أو كاميرا.
كان يبلغ من العمر 52 عاما عند دخوله البرلمان، لكن مسيرته اللامعة جعلته مرشحا بارزا للقيادة.
واستغرق الأمر بضعة أشهر للوصول إلى الصفوف الأمامية، ثم إلى حكومة الظل لكوربن.
وعندما استقال كوربن عقب الهزيمة الكارثية في انتخابات 2019، لم يكن ستارمر المرشح الأوفر حظا في البداية، إذ افترض المراقبون أن أعضاء حزب العمال سيلتزمون باليسار ويختارون ريبيكا لونغ بيلي.
لكن مزيجا من حملة منظمة للغاية وتعهدات ستارمر السياسية العشرة الشهيرة، والتي تضمنت أفكارا ذات ميول يسارية، مثل الملكية العامة للمرافق العامة وإنهاء الرسوم الدراسية للطلاب، ساعده على الفوز بسهولة.
وهنا بدأت ما قد يعتبره البعض المرحلة الذهبية لمسيرته السياسية، وإن كانت بذور سقوطه قد بدأت تظهر بالفعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك