لم تنهِ الضربات الأميركية الصراع مع إيران، لكنها فرضت واقعاً جديداً دفع الطرفين إلى التفاوض بدلاً من مواصلة التصعيد، ما يتجسد اليوم في اجتماع سويسرا.
ويبدو أن واشنطن لم تستخدم القوة كي تفتح حرباً طويلة، بل كي تفرض سقفاً جديداً على طهران قبل الجلوس معها.
وطهران، التي حاولت تحويل المواجهة إلى معركة صمود، وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، إما الاستمرار في التصعيد واستنزاف ما تبقى من قدرتها، أو الذهاب إلى طاولة تفاوض تحفظ لها صورة النظام وتمنع انهيار نفوذها دفعة واحدة.
من هنا يأتي اجتماع سويسرا بوصفه النتيجة السياسية المباشرة للضربات، لا نقيضاً لها.
فالقوة مهّدت للتفاوض الذي يأتي ليترجم ما عجزت الحرب عن حسمه بالكامل، لذلك لا يمكن قراءة المشهد كتحول مفاجئ نحو السلام، بل كإدارة دقيقة لمرحلة ما بعد الضربة، فالولايات المتحدة تريد تثبيت مكاسبها بلا تورط عسكري مفتوح، وإيران تريد تحويل التراجع إلى تفاهم، وإسرائيل تراقب بقلق أي اتفاق قد يمنح النظام الإيراني وقتاً لإعادة ترتيب أوراقه.
أما لبنان، فيدخل هذه المعادلة بوصفه الامتحان الأخطر، لأن أي تفاهم أميركي - إيراني لا يُقاس فقط بما سيقال في سويسرا، بل بما إذا كان سيمنع" حزب الله" من إبقاء لبنان ساحة مفتوحة، وبما إذا كانت إسرائيل ستقبل بتقييد حركتها العسكرية على حدودها الشمالية، ولهذا فإن اجتماع سويسرا لا يعلن نهاية" الشر"، ولا ولادة سلام إقليمي، بل بداية مرحلة جديدة، مرحلة تفاوض تحت ضغط النار، وهدنة تبحث عن ضمانات، وصراع لم ينتهِ بل انتقل من الميدان إلى الطاولة.
بالتوازي مع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، عاد" الحرس الثوري" الإيراني إلى رفع سقف التهديدات الإقليمية عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز، وذلك على رغم أن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً في أثناء سير المفاوضات، وتهديدات" الحرس" مؤشر واضح أن الأمور لم تصل إلى خواتيمها بعد.
هل يمكن لإيران التخلي عن أذرعها؟وكان تم التداول بتحليلات في بعض الدوائر السياسية والأمنية، تقوم على فرضية أن إيران كلما اندمجت أكثر في الاقتصاد العالمي وخرجت من منطق المواجهة الدائمة، ستصبح كلفة تمويل الأذرع الإقليمية أعلى من فوائدها.
بمعنى آخر، الدولة التي تبحث عن الاستثمارات ورفع العقوبات واستقرار الاقتصاد لا تستطيع الاستمرار بالوتيرة نفسها في تمويل الصراعات المفتوحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
لكن هذه الفرضية ليست قانوناً سياسياً، فهناك تجارب سابقة أظهرت أن إيران استفادت من فترات الانفتاح الاقتصادي، من دون أن تتخلى بالكامل عن مشروعها الإقليمي، لذلك فإن الرهان على أن أي اتفاق أو انفتاح سيؤدي تلقائياً إلى التخلي عن" حزب الله" أو بقية الأذرع يبقى استنتاجاً سياسياً أكثر منه حقيقة مثبتة.
وتكمن المشكلة الأساسية أن نفوذ إيران الإقليمي ليس مجرد أداة خارجية، بل جزء من عقيدة" الحرس الثوري" ومن مفهوم الأمن القومي الإيراني نفسه، ولهذا فإن التخلي الكامل عن هذه الأذرع يتطلب تحولاً عميقاً في طبيعة النظام وأولوياته، لا مجرد توقيع اتفاق أو تغيير في اللهجة السياسية، لذلك يمكن القول إن الفكرة واقعية جزئياً لكنها غير مؤكدة.
ونعم، قد تراهن واشنطن على أن إيران أكثر انفتاحاً وأقل عزلة ستكون أقل ميلاً إلى التوسع والمواجهة، لكن لا توجد أدلة قاطعة على أن طهران مستعدة للتخلي عن أدوات نفوذها الإقليمية، لا سيما في لبنان حيث يشكل" حزب الله" أهم ورقة استراتيجية تملكها على حدود إسرائيل.
وهنا يطرح سؤال محوري وهو هل انتهى زمن" الشيطان الأكبر"؟لا يمكن الحديث الآن عن انتهاء زمن" الشيطان الأكبر"، بل ما انتهى فقط مرحلة الخطاب القديم، وبدأت مرحلة صفقة باردة وموقتة، إذ لا سلام هنا بل إدارة للخسائر، ومن يقرأ الاتفاق يبدو وكأنه بداية سلام بين إيران وإسرائيل، لكن الاتفاق لا يعالج جوهر الصراع، ولا يغير طبيعة النظام الإيراني، ولا ينهي مشروع الأذرع، ولا يضمن نزع سلاح" حزب الله"، ولا يقدم لإسرائيل ضمانة أمنية قابلة للتصديق، إذاً هو أقرب إلى هدنة مصالح بين واشنطن وطهران، لا إلى مصالحة تاريخية بين إيران وإسرائيل.
تدوير" الشر" بلغة دبلوماسيةوأخطر ما في الاتفاق أنه يمنح إيران فرصة لتسويق الهزيمة العسكرية كنصر سياسي، والنظام الذي خسر في الميدان يحتاج إلى صورة انتصار أمام جمهوره، وسيقول إن" الشيطان الأكبر" جاء إليه معترفاً بدوره الإقليمي، هنا لا ينتهي" الشر"، بل يعاد تدويره بلغة دبلوماسية.
ولبنان هو الاختبار الأوضح، فبعد الاتفاق بقيت إسرائيل تقول إنها غير ملزمة بما يقيد حركتها ضد" حزب الله"، وكرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ليست مقيدة بأي تفاهم أميركي - إيراني في لبنان، وجاء التصعيد ليلف مختلف المناطق اللبنانية بإشارة واضحة عما ينتظر لبنان.
من هنا، إذا لم ينزع الاتفاق قدرة إيران على التخريب عبر الوكلاء، فهو لا ينهي سنوات الشر، هو فقط يمنح الشر استراحة، ولبنان سيكون أول مكان يدفع ثمن هذه الاستراحة.
وعليه يصبح السؤال، هل تغير مصدر التهديد أم تغير اسم العدو فقط؟انتقل النظام من شعار" الموت لأميركا" إلى تفاهم مع أميركاكان مصطلح" الشيطان الأكبر" أداة تعبئة داخلية إيرانية، ولم يكن مجرد توصيف لأميركا، بل كان عموداً في شرعية النظام، نحن محاصرون، إذاً نحتاج إلى" الحرس الثوري"، ونحن مستهدفون، إذاً نحتاج إلى السلاح، ونحن في معركة وجود، إذاً لا تسألوا عن الاقتصاد والحريات والفساد، وإذا انتقل النظام من شعار" الموت لأميركا" إلى تفاهم مع أميركا، فهذا لا يعني أنه صار مسالماً، يعني أنه يعيد تعريف العدو، وقد يخفف التصعيد مع واشنطن، لكنه قد يعوض ذلك بتثبيت نفوذه في لبنان والعراق واليمن وسوريا، أي أنه يبادل التهدئة الكبرى بحرية حركة في الساحات الصغيرة.
أما إسرائيل، فمشكلتها ليست مع الشعار الإيراني فقط، بل مع الصواريخ، والنووي، و" حزب الله"، والممرات البرية، والتهديد على الحدود، لذلك لا يمكن لاتفاق سياسي بين واشنطن وطهران أن يصنع سلاماً إيرانياً - إسرائيلياً ما لم يمسّ البنية العسكرية نفسها، وقد يكون زمن" الشيطان الأكبر" انتهى كخطاب مطلق، لكنه لم ينتهِ كوظيفة سياسية، فقط تغيرت وظيفة العدو من أميركا مباشرة إلى إسرائيل والساحات التابعة.
الاتفاق لا يعني سلاماً حقيقياً بين إيران وإسرائيل، والسبب أن السلام يحتاج إلى تغيير في البنية، لا في اللغة فقط، أي أن تتوقف إيران عن استخدام الأذرع، وأن يصبح" حزب الله" خارج معادلة الحرب، وأن تحصل إسرائيل على ضمانات أمنية، وأن تستعيد الدولة اللبنانية قرارها، وطالما هذه العناصر غير موجودة، فنحن أمام تهدئة لا سلام، ولذلك سيكون لبنان ساحة الاختبار الأولى، لأن أي اتفاق بين واشنطن وطهران لا قيمة له عملياً إذا بقي" حزب الله" قادراً على إطلاق النار أو تعطيل الدولة أو فرض معادلة عسكرية، ولذلك أيضاً ستراقب إسرائيل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت لا النصوص والتصريحات السياسية.
من جهته، يصور" حزب الله" الاتفاق وكأنه انتصار لمحور إيران، وتحدثت أوساطه عن أن واشنطن فاوضت طهران لأنها عجزت عن كسرها، لكن هذا لا يعني أن المحور انتصر فعلاً، بل يعني أنه نجا موقتاً واحتاج إلى تسوية، فقط.
النظام الإيراني بحاجة إلى عدو دائمويكمن الاختلاف الأساسي في تفسير الاتفاق، فبعض المراقبين رأى فيه خدعة، لأنه يمنح إيران وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها، لأن أي اتفاق لا يعالج مسألة السلاح والتمويل والنووي والصواريخ هو اتفاق ناقص وخطر.
ومن وجهة نظر أخرى، يشير متابعون إلى أن مجرد قبول إيران بالتفاوض، يعني أنها تحت ضغط وتحتاج إلى مخرج.
ومن هذه الزاوية، يمكن تحويل الاتفاق إلى بداية لتقييد نفوذها، إذا وُجد ضغط أميركي وعربي وإسرائيلي منظم.
لكن المشكلة الأساسية قد لا تكون في عبارة" الشيطان الأكبر"، بل في حاجة النظام الإيراني إلى عدو دائم، فإذا انتهت العداوة مع أميركا، قد ينقل النظام مركز العداء إلى إسرائيل أو إلى الساحات العربية.
مقاربات مختلفة، إيران وإسرائيل ولبنان و" حزب الله"وهنا نذهب إلى لبّ الأزمة إذا كان هناك اتفاق سلام، لماذا تستمر الغارات؟ ولماذا تعلن إسرائيل أنها غير ملزمة؟ ولماذا يبقى" حزب الله" مسلحاً؟ ولماذا يحتاج لبنان إلى وقف نار جديد بعد الاتفاق مباشرة؟ وهذا تناقض واضح، فالأطراف تقول" سلام"، لكنها تتصرف كأنها تستعد للجولة المقبلة، لذلك نقف أمام مرحلة انتقالية، لا نهاية صراع.
وتبعاً للمعطيات السابقة، سيسوّق الداخل الإيراني الاتفاق وكأنه قرار استراتيجي خارجي فقط، بينما النظام سيستخدمه داخلياً لحماية نفسه من الانهيار الاقتصادي أو الغضب الشعبي.
والنقطة الثانية هي قدرة" حزب الله" على التخريب، وحتى لو أرادت إيران التهدئة، فقد يستخدم الحزب هامشاً ميدانياً محدوداً ليقول إنه لم يُكسر، وهذا يكفي لإشعال لبنان.
أما النقطة الثالثة فهي الموقف الإسرائيلي، إذ يفترض كثيرون أن إسرائيل ستلتزم بما تقرره واشنطن، وهذا افتراض ضعيف، لأنها وخصوصاً بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، تتصرف وفق عقيدة أمنية جديدة، ولا تنتظر الضمانات، بل تخلق وقائع ميدانية.
والنقطة الرابعة هي الدولة اللبنانية، إذ لا يكفي القول إن لبنان متضرر، بل هل تملك الدولة القدرة على تحويل الاتفاق إلى فرصة لاستعادة القرار؟ وإذا لم تفعل، سيبقى لبنان ملفاً موضوعاً على الطاولة، لا طرفاً حولها.
من هنا لا يبدو أن زمن" الشيطان الأكبر" قد انتهى، والذي انتهى هو الاستخدام القديم للشعار، فإيران لم تنتقل من الثورة إلى السلام، بل من المواجهة المفتوحة إلى المساومة، وهي لا تقول للمنطقة، انتهى مشروع النفوذ، بل تقول، أريد الحفاظ على ما تبقى منه بأقل كلفة، لذلك يجب عدم قراءة الاتفاق كولادة شرق أوسط جديد، بل كهدنة بين قوى متعبة.
فأميركا لا تريد حرباً مفتوحة، وإيران لا تريد سقوطاً، وإسرائيل لا تثق بما يحصل، و" حزب الله" يريد تحويل النجاة إلى انتصار.
في معنى سقوط شعار" الشيطان الأكبر" سياسياً لا عقائدياًلا يعني سقوط الشعار سياسياً، أن إيران تخلت عقائدياً عن عدائها لأميركا أو لإسرائيل، بل يعني أن الشعار لم يعد صالحاً وحده لإدارة المرحلة.
بنت إيران ومنذ تاريخ الثورة عام 1979 جزءاً كبيراً من شرعيتها على فكرة المواجهة مع" الشيطان الأكبر"، والشعار كان يقول للداخل الإيراني، نحن محاصرون لأننا مقاومون، ونحن فقراء لأننا نواجه الاستكبار، ونحن نحتاج إلى" الحرس الثوري" لأن البلاد في خطر دائم، لكن عندما تجلس طهران مع واشنطن، وتفاوضها، وتطلب رفع العقوبات، وتقبل بتفاهم أمني أو نووي أو إقليمي، يصبح الشعار أقل صلابة، ولا يسقط من الكتب والخطابات والمسيرات، لكنه يسقط كقاعدة سياسية مطلقة، وهنا يبدو واضحاً أن إيران لم تعد قادرة على أن تعيش فقط من خطاب العداء، هي تحتاج إلى صفقة مع" العدو" الذي شيطنته عقوداً، لأنها تحتاج إلى المال، والنفط، وتخفيف العقوبات، وتثبيت النظام، وترميم النفوذ، لكن هذا لا يعني تحول إيران إلى دولة طبيعية، بل يعني أنها انتقلت من" المواجهة المفتوحة" إلى" المساومة مع العدو"، وهذه أخطر، لأن النظام يستطيع الآن أن يقول لجمهوره، لم ننهزم، بل أجبرنا واشنطن على الاعتراف بنا.
وعليه لا يموت الشعار عقائدياً، ولكن يبقى في الوجدان الثوري، لكنه يتراجع سياسياً عندما تصبح مصلحة النظام أهم من نقاء الشعار.
وللإضاءة على جوهر الاختلافات بين الأطراف كلها، لا بدّ من الإجابة على أسئلة، راودت العديد من المراقبين.
لماذا الاتفاق لا يساوي سلاماً إيرانياً - إسرائيلياً؟ذلك أن السلام الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة أمور غير موجودة، اعتراف متبادل، وضمانات أمنية، وتفكيك أدوات الحرب، وبحسب الوقائع الحالية، الاتفاق هو بين واشنطن وطهران أساساً.
فإسرائيل ليست مطمئنة إليه، و" حزب الله" لم يفكك، ولم يتحول النووي الإيراني إلى ملف مغلق نهائياً، ولم تسلم الساحات الإقليمية للدول الشرعية، كذلك تل أبيب لا تقيس الاتفاق من نصه، بل من نتائجه الأمنية، هل توقفت الصواريخ؟ هل انتهى تمويل" حزب الله"؟ هل انسحب الحزب من جنوب الليطاني؟ وهل توقفت إيران عن استخدام لبنان وسوريا واليمن والعراق كورقة ضغط؟ إذا كان الجواب لا، فلا سلام، ولهذا رأينا أن القتال في لبنان خفّ بعد الاتفاق لكنه لم يتوقف بالكامل، ثم عاد الحديث عن وقف نار متجدد بعد تصعيد جديد، وهذا وحده يكفي للقول إن الاتفاق لا يصنع سلاماً بل يضبط الانفجار موقتاً، لأنه لو كان هناك سلام إيراني - إسرائيلي لرأينا انقلاباً في بنية الإقليم، أما ما يجري الآن فهو أقرب إلى تفاهم اضطراري بين أميركا وإيران لتخفيض كلفة الحرب، لا إلى مصالحة بين إيران وإسرائيل.
لماذا لبنان هو الامتحان الأول؟ذلك أن لبنان هو الساحة التي يظهر فيها الفرق بين الكلام والتنفيذ، وإذا قالت إيران إنها ذاهبة إلى تهدئة، فالسؤال الأول: ماذا عن" حزب الله"؟ وإذا قالت أميركا إن الاتفاق يشمل خفض التصعيد، فالسؤال، هل تستطيع إلزام إسرائيل؟ وإذا قالت إسرائيل إنها قبلت بالتهدئة، فالسؤال، هل ستنسحب من نقاطها؟ وإذا قالت الدولة اللبنانية إنها صاحبة السيادة، فالسؤال، هل تملك قرار الحرب والسلم؟من هنا فإن لبنان هو الامتحان لأن" حزب الله" هو أهم ذراع إيرانية على حدود إسرائيل، وليس ذراعاً رمزياً، بل بنية عسكرية ضخمة، وصواريخ، وأنفاق، وخبرة قتالية، وانتشار سياسي داخل الدولة، لذلك لا يمكن لأي اتفاق إقليمي أن يكون جدياً إذا بقي لبنان خارج سيطرة الدولة.
وبدورها إسرائيل تعتبر الجنوب ملفاً أمنياً مباشراً، لا بنداً دبلوماسياً، لذلك أعلنت مواقف تؤكد أنها لن تكون مقيدة إذا رأت تهديداً من لبنان، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال إن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان على رغم الضغوط.
هنا يصبح لبنان المختبر، إذا صمد الهدوء جنوباً، يمكن القول إن الاتفاق ينتج أثراً، وإذا انفجر فهذا يعني أن الاتفاق بقي حبراً سياسياً لا يضبط الساحات.
كيف سيستخدم" حزب الله" الاتفاق ليقول إن" محور المقاومة" انتصر؟سيبني" حزب الله" روايته على ثلاث جمل، صمدنا، ولم تُهزم إيران، وأميركا تفاوضت معنا عبر طهران، وبالنسبة له أن الاتفاق دليل على أن واشنطن لم تستطع إسقاط المحور، كذلك الضربات لم تكسر إيران، وأن بقاء الحزب مسلحاً يعني أن" المقاومة" فرضت نفسها كحقيقة لا يمكن تجاوزها، ذلك أن الحزب يحتاج إلى إعلان انتصار، لأنه خرج من الحرب مثقلاً، بيئة مدمرة، وخسائر بشرية، وضغط داخلي، واعتراض لبناني واسع، وتراجع في قدرته على القول إنه يحمي لبنان، لذلك هو سيستخدم الاتفاق كتعويض معنوي.
المشكلة أن هذه الرواية تقلب الحقيقة، فالتفاوض لا يعني النصر دائماً، وأحياناً يكون التفاوض محاولة لإنقاذ ما تبقى، وأحياناً يكون الاتفاق اعترافاً بأن الحرب صارت مكلفة على الجميع، لا أن طرفاً انتصر، لكن" حزب الله" لن يعترف بذلك، سيأخذ الجزء الذي يناسبه، أي بقاء السلاح، وبقاء إيران في المعادلة، وبقاء لبنان ضمن ساحة التفاوض، وسيحاول تحويل ذلك إلى شرعية جديدة لسلاحه.
لماذا ستواصل إسرائيل العمل عسكرياً إذا شعرت أن التفاهم يقيد أمنها؟ذلك أن إسرائيل لا ترى الاتفاق من زاوية" إنهاء الحرب"، بل من زاوية" هل يمنع التهديد"؟وإذا شعرت إسرائيل أن الاتفاق يعطي إيران وقتاً لإعادة بناء قوتها، أو يمنح" حزب الله" فرصة لترميم أنفاقه وصواريخه، أو يفرض عليها انسحاباً بلا ضمانات، فستتعامل معه كخطر لا كحل.
وإسرائيل بعد السابع من أكتوبر عام 2023، دخلت منطقاً أمنياً مختلفاً لا تنتظر الخطر حتى يكبر، بل تضربه قبل أن يتحول إلى هجوم، تطبيقاً لنظرية" جزّ العشب".
وهذا هو سبب تمسكها بحرية الحركة العسكرية في الجنوب وبالمناطق العازلة وباستهداف البنى العسكرية لـ" حزب الله".
ومن وجهة نظر إسرائيل، أي اتفاق لا ينزع قدرة الحزب جنوباً هو اتفاق ناقص، وأي تفاهم أميركي - إيراني لا يأخذ أمن الحدود الشمالية بجدية لن يكون ملزماً لها عملياً.
وهذا لا يعني أن إسرائيل تملك حقاً مفتوحاً في ضرب لبنان بلا حدود، لكنه يفسر لماذا ستستمر في العمل العسكري، لأنها ترى أن الدولة اللبنانية لا تضبط" حزب الله"، وأن الاتفاق لا يضمن أمنها، وأن إيران قد تستخدم الهدنة لإعادة ترتيب أدواتها.
نافذة كبرى… لكنها ليست سلاماً بعدفي المحصلة، وعلى رغم كل الأخطار، يجب عدم التقليل من أهمية اللحظة، فعندما تجلس واشنطن وطهران للاتفاق على تفاهم بعد حرب واستنزاف، فهذا يعني أن الطرفين وصلا إلى حدّ لا يريدان تجاوزه، وهذه بداية تحول ولكن ليست سلاماً، لكنها اعتراف بأن الحرب المفتوحة مكلفة.
والفرصة الكبرى هنا أن إيران قد تكون مضطرة للمرة الأولى إلى الاختيار بين بقاء النظام وبين استمرار المغامرة الإقليمية.
وإذا رُبط رفع العقوبات والمال والاستقرار بوقف استخدام الأذرع، فقد يتحول الاتفاق إلى قيد حقيقي على" الحرس الثوري"، ليس لأن طهران أصبحت معتدلة، بل لأنها صارت محتاجة إلى التنفس.
وعليه يبدو أن زمن" الشيطان الأكبر" قد بدأ بالتصدع، لكن زمن السلام لم يبدأ، المشهد يبدو متناقضاً وغير مقنع، فإذا كان السلام يحتاج إلى وقف نار فوق وقف نار، فهو ليس سلاماً بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك