أنت مجنون.
أو لعين.
أو غير ذلك، أو اختر ما شئت لترجمة عبارة إنجليزية غير لائقة يؤكد الإعلام الأمريكي والإسرائيلي أن ترمب قالها لنتنياهو تعبيراً عن الغضب من مواقفه المعرقلة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران.
العبارة التي قيلت أوائل الشهر الحالي كانت بداية موجة هجوم كبير وربما غير مسبوق من واشنطن على تل أبيب، والمثير أنها خرجت على لسان رأس السلطة ونعني هنا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي ذهب إلى ما هو أبعد مساء الخميس الماضي عندما قال إن إسرائيل كانت ستُدمَّر وتُسوّى بالأرض لولا دعمه.
جيه دي فانس نائب الرئيس، شارك ترمب في حملة الهجوم، وكذلك في حدة الأسلوب، حيث ذكّر إسرائيل بأن الأسلحة الأمريكية هي التي حمتها وبأن ترمب هو الرئيس الوحيد المتعاطف معها حالياً.
ما الذي حدث؟ ولماذا؟ وكيف ردت إسرائيل؟ ماذا يقول التاريخ؟ وما المتوقع في المستقبل؟ كلها أسئلة نسعى للإجابة عنها في هذا الموضوع.
الجميع يكرهك، ولولاي لكنت في السجنفي الثاني من يونيو/حزيران الجاري، قال موقع أكسيوس الأمريكي إن ترمب وجه انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي وُصف بالأسوء بينهما.
الموقع الإخباري نقل عن مسؤولين أمريكيين ومصدر مطلع أن ترمب استخدم لهجة حادة ووصف نتنياهو بـ" المجنون"، ومهتماً إياه بنكران الجميل، في إشارة إلى الدعم الذي قدمه له سابقاً خلال محاكمته بتهم الفساد.
في تلك المكالمة كان ترمب غاضباً من تعثر المفاوضات لإنهاء الحرب مع إيران بسبب إقدام إسرائيل على قصف العاصمة اللبنانية بيروت.
تنقل أكسيوس عن مصادرها أن ترمب قال لنتنياهو: " الجميع يكرهك حالياً، والجميع بات يكره إسرائيل بسبب هذا الأمر.
ما الذي تفعله بحق الجحيم؟ ".
وأضاف المصدر أن ترمب اتهم نتنياهو بنكران الجميل وذكّره بأنه ساعده للخروج من تهمة الفساد الموجهة إليه في إسرائيل حيث صرخ في إحدى اللحظات قائلاً" أنت مجنون تماماً.
لولاي لكنت في السجن الآن.
أنا من أنقذ عنقك".
الأسبوع الماضي يمكن وصفه بأنه أسبوع انتقاد إسرائيل، حيث عاد ترمب لاستخدام لهجة حادة لكن ليست في اللقاءات المغلقة وإنما في العلن، وقال خلال مؤتمر صحفي عقده الثلاثاء الماضي على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا إنه لولا الولايات المتحدة لما وجدت إسرائيل.
ومع حديثه عن علاقة جيدة مع نتنياهو، شدد ترمب على أن" إسرائيل كانت ستمحى من على وجه الأرض منذ زمن طويل لو لم أتدخل".
لكن اليوم التالي (الأربعاء 17 يونيو/حزيران) شهد لهجة أكثر هدوءاً من جانب ترمب الذي قال إن" إسرائيل تقوم بعمل سيّئ في لبنان"، لكنه وصف نتنياهو بأنه" رجل طيب" ووصف الخلافات بينهما بشأن لبنان بأنها" صغيرة".
في مساء ذلك اليوم وقع ترمب مع نظيره الإيراني إلكترونياً على مذكرة تفاهم طال انتظارها من أجل إنهاء الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران في 28 فبراير/مقابلة الماضي.
لكن بعد ساعات عاد ترمب للهجة الحادة تجاه إسرائيل، وقال خلال مقابلة مع موقع أكسيوس (مساء الخميس 19 يونيو/حزيران): " لولا دونالد ترمب، لكانت إسرائيل قد سُوِّيت بالأرض".
وعندما سئل عن علاقته بنتنياهو، رد ترمب بأنها جيدة، قبل أن يضيف قائلاً: " لكن ينبغي أن نبقيهم ضمن حدود أكثر عقلانية قليلاً".
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان بإمكانه منع إسرائيل من مهاجمة لبنان، أجاب ترمب: " نعم، سأفعل ذلك.
إنهم يكنّون لي احتراماً كبيراً ويفعلون ما أقوله".
أما جيه دي فانس نائب الرئيس فقد استخدم لغة غير معتادة مع إسرائيل ضمن تصريحات أدلى بها الأربعاء الماضي وانتقد فيها أعضاء من الحكومة الإسرائيلية هاجموا مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها لإنهاء حرب إيران، قائلاً إن ترمب هو الرئيس الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حالياً.
وخلال مؤتمر صحفي بواشنطن، قال دي فانس إنه لو كان محل أي عضو من الحكومة الإسرائيلية لما أقدم على" مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع"، مشيراً إلى أن" ثلثي الأسلحة التي حمتهم الأشهر الماضية صنعتها ومولتها الولايات المتحدة".
وبدا أن دي فانس يتحسب للردود المعتادة من إسرائيل وحلفائها في الداخل الأمريكي حيث قال إنه ليس بالضرورة أن تتطابق دائماً المصالح الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية، وأنه ليس صحيحاً أن كل انتقاد لقرارات وسياسات نتنياهو يقود إلى معاداة السامية.
وأضاف" يجب أن نكون حذرين جداً من وصف كل انتقاد بأنه كراهية لليهود"، متهماً بعض داعمي إسرائيل بأنهم لا يميزون بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح إسرائيل، ويخلطون بين انتقاد حكومة معينة وكره اليهود، على حد وصفه.
في وسط هذا الضجيج، خرج السفير الأمريكي" الصهيوني" مايك هاكابي ليغرد في اتجاه معاكس لاتجاه إدارته.
واختار هاكابي مشاركته في مؤتمر استيطاني بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء الماضي ليقول إنه" لولا إسرائيل لما كانت الولايات المتحدة موجودة" وذلك رداً على قول ترمب إنه لولاه ولولا الولايات المتحدة لما كانت هناك إسرائيل.
وحرص هاكابي خلال المؤتمر على القول بأن دوره" لا يقتصر على تمثيل الولايات المتحدة في إسرائيل فحسب، بل يشمل أيضاً تمثيل أهمية إسرائيل للأمريكيين"، على حد قوله.
ثم كررها هاكابي مجدداً أمس الأحد، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر نظمته وكالة الأخبار اليهودية في مدينة القدس الغربية ودافع فيه عن عبارته، بل ذهب إلى ما هو أبعد زاعماً أن الحضارة الغربية قامت على أسس يهودية، ويهودية مسيحية، مؤكداً أنه يشعر بأمان أكبر في القدس مقارنة بواشنطن.
وأغضبت تصريحات هاكابي ناشطين أمريكيين دعوا إلى عزله، كما أغضبت مسؤولين بينهم النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين التي كتبت على منصة إكس: " ندين بوجودنا لله، وليس لإسرائيل"، واصفة كلام هاكابي بأنه" بذيء".
وسخرت المعلقة السياسية آنا كسباريان من تصريحات هاكابي، ودعت إلى سحب الدعم المالي والعسكري الأمريكي عنها لمعرفة مدى قدرتها على الاستمرار دون المساعدات الأمريكية.
أما الضابط المتقاعد والمحلل العسكري دانيال ديفيس، فدعا هاكابي إلى الاستقالة، مؤكداً أن السفير الأمريكي" لا يضع المصالح الأمريكية في المقام الأول"، وأن مهمته الأساسية هي تمثيل الولايات المتحدة لدى دولة أخرى، لا الترويج لها أو تفضيلها على بلاده.
ربما يكون المناسب أن نشير أولاً إلى نتائج استطلاع رأي نشرته صحيفة معاريف وقال إن 63% من الإسرائيليين يخشون على مستقبل بلادهم عقب الاتفاق بين واشنطن وطهران وتصريح ترمب بأن لإيران الحق في امتلاك صواريخ باليستية.
ورأى سياسيون ومعلقون إسرائيليون أن التفاهم مع إيران كشف تراجع قدرة تل أبيب على التأثير في قرارات واشنطن، وسط اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدفع إسرائيل إلى" كارثة سياسية".
رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، قال إنه كان بإمكان تل أبيب رفض الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أنه من الممكن قول" لا" للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وعند سؤاله عما إذا كان قادراً، لو كان رئيساً للوزراء حالياً، على رفض طلب من ترمب، أجاب بينيت: " سبق وقلت للرئيس الأمريكي (السابق جو) بايدن لا".
أما نتنياهو فقد بدا ساعياً للتهدئة، حيث قال مسؤولون إسرائيليون السبت الماضي إنه طلب من وزرائه الامتناع عن توجيه انتقادات شخصية للرئيس الأمريكي.
وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي، اليميني المتشدد إيتمار بن غفير، قال الأسبوع الماضي إن" إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة وإن" اتفاق ترمب لا يُلزمنا".
من جهته، اعتبر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن" الاتفاق سيئ"، مطالباً إسرائيل بمواصلة الحملة بنفسها ضد إيران.
وانضم إعلاميون وحاخامات يهود إلى حملة الرد، حيث كتب الصحفي في" يديعوت أحرونوت"، رونين بيرغمان، تعليقاً على تصريحات دي فانس قائلاً: " دقيقة وعشرون ثانية من الكلام يصعب تذكر متى قيل مثلها من قبل أي رئيس أو نائب رئيس أمريكي بحق أي حكومة إسرائيلية ورئيسها".
وأضاف، في منشور على" إكس": " رغم الصدامات الحادة مع نتنياهو، لم يقترب لا بيل كلينتون ولا باراك أوباما ولا جو بايدن ولا كامالا هاريس من مستوى الغضب الذي يفيض من كلمات فانس، الذي يُعد ربما الصوت الأكثر تأثيراً اليوم داخل الحزب الجمهوري".
أما الصحفي شاي غولدن فاستغل بثاً مباشراً على القناة 13 العبرية الخاصة، ليطلب من المشاهدين التصفيق لنتنياهو لأنه" قاد إسرائيل إلى هوة تاريخية مع واشنطن".
وحذر غولدن من أن الاتفاق مع إيران ليس سوى البداية، متوقعاً" إهانة علنية جديدة" من الرئيس الأمريكي لنتنياهو.
وبدوره قال الحاخام شموئيل إلياهو إن" شعب إسرائيل صمد 2000 عام بدون ترمب، وسيستمر بعده أيضاً".
الحاخام السفاردي الأكبر السابق في إسرائيل، إسحاق يوسف، اختار منحى آخر، حيث قال إن التغيّر في موقف ترمب من إسرائيل يعود إلى ما وصفه بـ" العقاب الإلهي" على خلفية ملاحقة طلاب" الحريديم" ومحاولات تجنيدهم إجبارياً في الجيش الإسرائيلي.
تعود جذور الخلاف الأخير إلى اختلاف النظرة لدى الطرفين بشأن ما يجب أن تكون عليه نهاية الحرب ضد إيران.
فإدارة ترمب ترى أنها حققت الهدف الرئيسي المتمثل بتوجيه ضربة قاسية للبرنامج النووي الإيراني، وأن اللحظة الحالية يجب استثمارها لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة جديدة قد تستنزف واشنطن وحلفاءها.
أما إسرائيل فترى أن الحرب فتحت نافذة نادرة لتغيير البيئة الأمنية في المنطقة بصورة جذرية، وأن أي اتفاق لا يتضمن تفكيك البنية الصاروخية الإيرانية وتقليص نفوذ حلفاء طهران الإقليميين لن يكون سوى هدنة مؤقتة تسمح لإيران بإعادة بناء قوتها.
ومن هنا ظهر الخلاف حول أبرز نقطتين في المفاوضات الحالية: الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية.
فبحسب ما تسرب من أجواء المفاوضات، يركز الأمريكيون بصورة أساسية على ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي ومنع تخصيب اليورانيوم عند مستويات عسكرية، بينما تطالب إسرائيل بإدراج قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي أثبت خلال الحرب قدرته على ضرب أهداف إسرائيلية على مسافات بعيدة.
الكاتب البريطاني إدوارد لوس يعتقد أن العلاقة بين ترمب ونتنياهو تمر بإحدى أصعب مراحلها، بعدما فشلت حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتعلقة بالحرب على إيران وأدت إلى نتائج معاكسة لما كان يأمله.
وفي مقال له بصحيفة فايننشال تايمز قال لوس إن نتنياهو راهن على إقناع ترمب بأن توجيه ضربة قوية لإيران سيؤدي إلى إضعاف النظام في طهران وربما إسقاطه، مستنداً إلى تقدير مفاده أن الشعب الإيراني سيتحرك ضد قيادته بمجرد تعرضها لضغط عسكري كبير.
بيد أن هذه الرهانات لم تتحقق -كما يقول الكاتب- بل انتهت الحرب أو المواجهة المحدودة إلى واقع مختلف تماماً، وعادت الولايات المتحدة الأمريكية إلى مسار التفاوض مع طهران بدلاً من المضي نحو تغيير النظام.
كما أشارت تقارير عديدة إلى نقاط خلاف عديدة بين الرجلين، وأرجعتها إلى إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي على خيار التصعيد العسكري الشامل وتغيير النظام في طهران، بينما تسارع الإدارة الأمريكية الخطى لإبرام اتفاق ينهي الصراع الإقليمي ويؤمن تدفق حركة الملاحة الدولية، في مضيق هرمز، ضاربة عرض الحائط في سبيل ذلك بالعديد من" الخطوط الحمراء" الإستراتيجية التي وضعتها تل أبيب.
صحيفة معاريف الإسرائيلية قالت إن نتنياهو عمل لسنوات على تقديم ترمب للجمهور الإسرائيلي باعتباره الحليف الأكثر أهمية لإسرائيل، إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الرئيس الأمريكي يتصرف وفقاً لأولوياته الخاصة، حتى عندما تتعارض مع الرؤية الإسرائيلية.
لكن الكاتب الإسرائيلي المعروف، عميت سيغال، اختار أن يذهب في اتجاه آخر، حيث كتب في صحيفة" إسرائيل هيوم" إن ترمب لا ينسى أن نتنياهو بادر إلى تهنئة جو بايدن عندما فاز على ترمب في انتخابات 2020، ويعتبر ذلك بمثابة" ذنب لا يغتفر".
رغم حدة التصريحات المتبادلة، فإن الحديث عن أزمة إستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يكون مبالغاً فيه.
فالعلاقات بين البلدين شهدت خلافات أشد في السابق، حيث اصطدم جورج بوش الأب بالحكومة الإسرائيلية حول الاستيطان، ودخل باراك أوباما في مواجهة سياسية طويلة مع نتنياهو بسبب الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، كما شهدت السنوات الأخيرة خلافات متكررة حول الحرب على غزة ومستقبل القضية الفلسطينية.
لكن ما يميز الخلاف الحالي أنه يتعلق بقضية تعتبرها إسرائيل مسألة وجودية، بينما تنظر إليها واشنطن من منظور أوسع يرتبط بإدارة النظام الإقليمي ومنع اندلاع حرب جديدة قد تضر بالمصالح الأمريكية العالمية.
الأغلب أنه خلاف حقيقي، لكن لا يمكن القول إنه يصل حتى الآن إلى مستوى تهديد التحالف بين الطرفين.
فالولايات المتحدة ما زالت الداعم العسكري والسياسي الأول لإسرائيل، كما أن الأهداف الإستراتيجية العامة ما زالت مشتركة، وأبرزها منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقليص قدرتها على تهديد إسرائيل وحلفاء أمريكا.
أما الخلاف فيدور حول الوسائل والحدود التي ينبغي أن تصل إليها التسوية.
فالولايات المتحدة ما تزال الداعم العسكري والسياسي الأول لإسرائيل، كما أن إدارة ترمب لم تتخل عن هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي أو تقليص نفوذها الإقليمي.
لكن الخلاف الحالي يدور حول الوسائل والأولويات وليس حول الأهداف النهائية.
لكن ما يجعل الأزمة الحالية مختلفة هو أنها تأتي في لحظة إعادة تشكيل واسعة لخريطة الشرق الأوسط بعد الحرب، وفي وقت تحاول فيه إدارة ترمب تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير مع إيران، بينما تخشى إسرائيل أن يؤدي هذا الإنجاز إلى تثبيت واقع أمني لا يلبي مطالبها بالكامل.
لذلك قد يستمر التوتر خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً إذا أحرزت المفاوضات الأمريكية الإيرانية تقدماً إضافياً أو إذا واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد حلفاء طهران في المنطقة.
كما أوضحنا، فالتاريخ لا يخلو من خلافات بين واشنطن وتل أبيب، لكن هذه الخلافات نادراً ما تحولت إلى قطيعة فعلية، لأن المصالح الإستراتيجية المشتركة كانت دائماً أكبر من نقاط التباين والتجارب السابقة تشير على أن الجانبين غالباً ما ينجحان في احتواء خلافاتهما عندما تقترب الأمور من تهديد المصالح الجوهرية للطرفين.
في العشرين من يناير/كانون الثاني 2025 عاد ترمب إلى السلطة في ولاية ثانية، وكثيراً ما امتدح إسرائيل قبل هذه العودة وبعدها، ناهيك عن الدعم العملي الذي بدأ برفع الحظر عن صادرات القنابل الثقيلة ثم بالحديث عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة بل والحديث عن استيلاء واشنطن على القطاع عبر ما وصفها بـ" ملكية طويلة الأجل".
لكن بعد نحو أربعين يوماً فقط، توالت مؤشرات التوتر بين ترمب وإسرائيل وكان أبرزها ما يلي:أوائل مارس/آذار 2025: البيت الأبيض يؤكد إجراء مباحثات مباشرة بين إدارة ترمب وحركة حماس التي تقود المقاومة في قطاع غزة.
7 أبريل/نيسان: ترمب يعلن لأول مرة عن محادثات أمريكية مباشرة مع إيران في خطوة قالت صحيفة إسرائيلية إنها جرت دون تنسيق مع تل أبيب6 مايو/أيار: ترمب يفاجئ إسرائيل بالإعلان عن اتفاق مع الحوثيين يقضي بوقف قصفهم مقابل عدم استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر8 مايو/أيار: الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان يعنون مقاله في نيويورك تايمز قائلاً: " هذه الحكومة الإسرائيلية ليست حليفاً لنا"، ويقول إن نتنياهو يضع مصالحه الشخصية فوق مصالح إسرائيل والولايات المتحدة.
في ذلك الوقت، اعتبرت صحيفة معاريف أن ترمب" باع إسرائيل وألقى بها تحت عجلات الحافلة" ليس فقط بسبب خلافاته مع نتنياهو، بل لأن إسرائيل لم تعد تحتل الأولوية في حسابات ترمب الجديدة، وتحولت إلى ورقة تفاوض قابلة للتجاهل إن اقتضت مصلحة البيت الأبيض ذلك.
لكن تقريراً للجزيرة نت نشر في 12 مايو/أيار من العام الماضي، أكد أن الخلافات الأمريكية الإسرائيلية كانت حقيقية لكنه نبّه إلى أن التاريخ يقول إنهما كثيراً ما نجحتا في تجاوز مثل هذه العقبات، وتغلب تحالفهما الوثيق على الخلافات الطارئة.
وعدّد التقرير أمثلة في هذا الشأن تعود حتى إلى الأشهر الأولى من نشأة دولة إسرائيل في 1948 على أرض فلسطين، لكنه رأى أن الخلافات بين الجانبين دائماً ما تجد من عوامل الحل والتهدئة أكثر مما تجد من عوامل التصعيد والتفاقم.
بالنظر إلى التاريخ فإن الحديث عن المستقبل يبدو محسوماً، وإن كان وجود ترمب في الرئاسة عودنا أن يكون الباب مفتوحاً لاحتمالات أكثر حتى ما كان منها غير متوقع.
لكن بشكل عام يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمستقبل:الأول أن تنجح واشنطن في إدخال تعديلات أو ضمانات إضافية على الاتفاق مع إيران تسمح لنتنياهو بتقديمه داخلياً بوصفه إنجازاً أمنياً مقبولاً.
الثاني أن يستمر الاتفاق بصيغته الحالية مع بقاء التوتر السياسي بين الجانبين لبعض الوقت من دون أن يتحول إلى أزمة حقيقية.
أما السيناريو الثالث والأقل احتمالاً فيتمثل في انهيار المفاوضات وعودة التصعيد العسكري، الأمر الذي قد يعيد توحيد الموقف الأمريكي والإسرائيلي تحت ضغط المواجهة مع إيران.
وفي المحصلة، لا يبدو أن واشنطن وتل أبيب تقفان على طرفي نقيض بقدر ما تختلفان على شكل النهاية المطلوبة للحرب.
فإدارة ترمب ترى أن الوقت حان لتحويل المكاسب العسكرية إلى تسوية سياسية، بينما تخشى إسرائيل أن تتحول هذه التسوية إلى فرصة جديدة تمنح إيران وقتاً ومساحة لإعادة ترتيب أوراقها.
وبين هذين المنظورين سيبقى الجدل قائماً، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه الخلافات، مهما بدت حادة، غالباً ما تجد طريقها إلى الاحتواء داخل إطار التحالف الأمريكي الإسرائيلي الأوسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك