غزة بعد توقف التكيات.
الجوع يهدد آخر خطوط الكرامةفي غزة اليوم، لم يعد الحصار مجرد رقم في النشرات أو كلمة جافة تقال في المؤتمرات الدولية؛ بل نعيشه في أدق تفاصيل حياتنا، كأنه آلة تطحن آدميتنا كل يوم، وتدفعنا نحو حافة الحاجة التي كنا نربأ بأنفسنا عنها.
ومع الارتفاع الجنوني للأسعار، الذي جعل أبسط مقومات الحياة حلما بعيد المنال، ونفاد مدخرات العائلات بعد أشهر طويلة من النزوح والإنهاك، تضربنا المأساة في أكثر أجزاء الروح حساسية: الكرامة.
ويتجسد هذا الوجع العاري اليوم في أزمة توقف وتقليص عمل" التكيات"، تلك المطابخ الإغاثية البسيطة التي لم تكن مجرد مكان لتوزيع الطعام، بل اليد الحانية الأخيرة التي تسند العائلات المستورة وتمنعها من السقوط.
النزول إلى السوق لم يعد رحلة شراء عادية، بل مواجهة يومية مع العجز والإنهاكلأشهر طويلة، لم تكن هذه التكيات مجرد مراكز لتوزيع الوجبات المجانية أو نشاطا خيريا عابرا، بل كانت صمام أمان يحمي النسيج الاجتماعي من الانفجار، ويحفظ لآلاف الآباء والأمهات كرامتهم في مواجهة جوع أبنائهم.
كان بإمكان الأسرة التي عصف بها الفقر القسري أن تحصل على قوتها اليومي بالحد الأدنى، دون أن تضطر إلى إراقة ماء وجهها أو التوسل لأحد.
أما اليوم، ومع تكرار إغلاق المعابر، ونفاد الإمدادات والوقود والمواد الأساسية، وتوقف هذه المطابخ عن العمل في عدة مناطق، فقد انقطع هذا الحبل الأخير، وترك الناس عزلا في مواجهة سوق سوداء متوحشة لا ترحم.
وتتجلى أبعاد هذه الكارثة الإنسانية والاقتصادية في مشاهد يومية صادمة باتت تؤثث شوارعنا وتدمي القلوب.
فبالأمس القريب، وأثناء مروري عند مدخل مخيم البريج، وقفت مذهولة أمام مشهد يختصر كل هذا الوجع.
كانت سيدة في منتصف العمر، تبدو عليها ملامح العزة والتعفف رغم ثيابها البالية، تقف مع أطفالها أمام حاوية قمامة، ينبشون بأيديهم العارية بين النفايات بحثا عن بقايا خضار أو طعام يسد الرمق.
اقتربت منها وسألتها عن سبب وصولها إلى هنا، فنظرت إلي بعينين يملؤهما الانكسار وقالت: " التكية اللي عند بيتنا وقفت.
وزوجي مصاب ما بيقدر يتحرك ولا يشتغل، وما عاد قدامي خيار تاني عشان أطعمي الصغار".
كانت كلماتها كافية لتلخص مأساة مدينة بأكملها؛ فخيارات الحياة تضيق أمام عائلات كثيرة حتى تكاد تنحصر بين الجوع ومرارة الحاجة.
أما النزول إلى السوق فلم يعد رحلة شراء عادية، بل مواجهة يومية مع العجز والإنهاك.
فقد تحولت البسطات والمحلات القليلة المتبقية إلى ساحة للاستغلال والابتزاز.
العائلات التي فقدت بيوتها ووظائفها تجد نفسها مضطرة لدفع مبالغ خيالية مقابل كيلوغرام واحد من الطحين، بأسعار تفوق قدرة أي أسرة على الاحتمال.
هذا الغلاء لا يخضع لمنطق اقتصادي طبيعي، بل أصبح ضريبة بقاء تفرضها ظروف الحرب والسوق السوداء على البطون الجائعة.
ولا تتوقف المعاناة عند توفير الطعام، بل تمتد إلى كيفية إعداده.
فالغياب شبه الكامل لغاز الطهي حول البحث عن الحطب والكرتون إلى معركة يومية أخرى.
تباع قطع الخشب بأسعار باهظة، وتضطر الأمهات إلى حرق البلاستيك والكرتون لإشعال النار، ما يملأ الخيام والبيوت المتضررة بدخان خانق يتسبب في أمراض تنفسية للأطفال.
حتى مخلفات الدمار أصبحت سلعة تشترى وتباع، في دوامة لا تنتهي من التدبير والمشقة.
العالم كثيرا ما ينظر إلى أزمة التجويع في غزة باعتبارها خللا لوجستيا أو عقبة تقنية في مسارات الإغاثة، لكن الحقيقة على الأرض أعمق من ذلكوفي ظل هذا المشهد، يعيش الناس عزلة جماعية ثقيلة.
فالأسر التي كانت ميسورة الحال حتى وقت قريب تحاول الحفاظ على صورتها أمام الآخرين، فتتجنب طلب المساعدة وتكتفي بوجبة واحدة شحيحة في اليوم.
الجميع يعلم أن الجميع يعاني، لكن الجميع أيضا يخشى أن تنفد قدرته على الصبر والمواساة.
وهكذا يتشكل جدار من الصمت يلف الأحياء والمخيمات، فيما تدير كل عائلة أزمتها بكبرياء مجروح.
ولم يعد غريبا أن تشهد الأسواق مشادات حادة بين بائع ومشتر بسبب ورقة نقدية بالية أو ممزقة.
المشتري لا يملك غيرها، والبائع يخشى ألا يقبلها منه تجار الجملة.
هذا التوتر المتصاعد ليس انعكاسا لأخلاق الناس، بل نتيجة مباشرة لضغط نفسي واقتصادي هائل يفرضه التجويع على الجميع.
إن العالم كثيرا ما ينظر إلى أزمة التجويع في غزة باعتبارها خللا لوجستيا أو عقبة تقنية في مسارات الإغاثة، لكن الحقيقة على الأرض أعمق من ذلك.
فالحصار لا يستهدف الجسد وحده، بل يستهدف كرامة الإنسان وإنسانيته.
إنه يجبر مجتمعا متعلما وطموحا على استنزاف معظم طاقته اليومية في البحث عن لقمة العيش وتجنب مذلة السؤال.
إن توقف التكيات ليس مجرد غياب لوجبات كانت تقدم للمحتاجين، بل هو تآكل متسارع في الجدار الأخلاقي والاجتماعي الذي يحمي كرامة العائلات من السقوط.
ومع ذلك، تبقى مقاومة هذا الإذلال، ومحاولة الحفاظ على التماسك والكرامة وسط الخراب، هي المعركة الحقيقية التي يخوضها أهل غزة اليوم.
فنحن لا نناضل فقط من أجل البقاء على قيد الحياة، بل من أجل ألا تتآكل أرواحنا ويسقط كبرياؤنا أمام هذا الحرمان المفروض علينا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك