بقلم: مصطفى محرم.
خبير السياسات العامةليست كل الإصلاحات الكبرى بحاجة إلى عناوين صاخبة أو قرارات درامية.
أحيانًا، تكون الأفكار الصغيرة هي التي تُحدث الأثر الأعمق.
التفاصيل البسيطة التي تمس تجربة الإنسان مباشرة، هي التي تترك الانطباع الأبقى.
قرار إلغاء بطاقة بيانات الوصول في مطار القاهرة الدولي مثال واضح على ذلك.
قد يبدو الأمر إداريًا محدودًا في ظاهره، لكنه في جوهره خطوة ذكية تعكس فهمًا عميقًا لما تعنيه تجربة الوصول بالنسبة للسائح أو المستثمر.
إزالة استمارة ورقية كانت تتطلب من المسافر إعادة كتابة بيانات سبق إدخالها إلكترونيًا، ليست مجرد اختصار لإجراء؛ إنها رسالة احترام للوقت، ورسالة ثقة في الأنظمة الرقمية، ورسالة ترحيب حقيقية بالزائر.
في عالم تتنافس فيه الدول على جذب السياح والاستثمارات، التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق.
المسافر الذي يصل بعد رحلة طويلة لا يتذكر عدد النوافذ في صالة المطار، بل يتذكر كم من الوقت استغرق للخروج.
هل كانت الإجراءات سلسة؟ هل شعر بأن وقته مُقدَّر؟ هذه اللحظات الأولى ترسم صورة ذهنية قد تدوم طويلًا.
إلغاء بطاقة الوصول يعكس هذا النهج.
هو مثال على عقلية مؤسسية منفتحة على التغيير، ترى أن التطوير الحقيقي يبدأ من التفاصيل.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة المالية التي يقودها الدكتور أحمد كجوك — والتي أكدت في أكثر من مناسبة تشجيعها للأفكار المبتكرة والحلول غير التقليدية لتطوير الأداء المالي والجمركي.
تبني الابتكار لا يعني دائمًا إطلاق منظومات ضخمة، بل أحيانًا يعني مراجعة إجراء بسيط والسؤال: هل ما زال ضروريًا؟ هل يمكن تحسينه؟ هل يمكن إلغاؤه؟وبالمثل، فإن الحديث عن تطوير تجربة الوصول لا يكتمل دون الإشادة بالجهود الكبيرة التي تبذلها سلطات الجمارك المصرية.
فالجمارك تقف في خط الدفاع الأول لحماية الاقتصاد الوطني، ومكافحة التهريب، وضمان الالتزام بالقوانين.
وهي مهمة معقدة تتطلب يقظة وانضباطًا ومهنية عالية.
غير أن الواقع يُظهر أن طوابير الجمارك ما زالت تمثل أحد أبرز مظاهر التواجد في عنق الزجاجة في تجربة الوصول بالمطارات.
ففي حين اتجهت غالبية مطارات العالم إلى تقليص زمن المرور الجمركي عبر الاعتماد المكثف على تحليل المخاطر، والمسارات السريعة، والتقنيات الذكية، بل وأصبحت الطوابير التقليدية في كثير من المطارات الكبرى شبه منعدمة بالنسبة للمسافرين الملتزمين، لا تزال فترات الانتظار الطويلة تمثل تحديًا ينبغي التعامل معه بجدية.
التطوير هنا لا ينتقص من دور الجمارك، بل يعززه.
الانتقال الأوسع إلى نموذج قائم على تحليل المخاطر والمسارات المخصصة (الأخضر والأحمر)، واستخدام البيانات المسبقة عن الركاب، يمكن أن يحقق معادلة ذكية: الحفاظ على أعلى درجات الأمن والكفاءة، مع تقليل الطوابير غير الضرورية.
هذا ليس تقليلًا من التفتيش، بل توجيهًا أدق له، بحيث يُركَّز الجهد حيث توجد المخاطر الحقيقية، ويُمنح المسافر الملتزم تجربة أكثر سلاسة.
الأثر الاقتصادي لهذه التفاصيل يتجاوز السياحة وحدها.
تجربة الوصول هي أيضًا جزء من تجربة المستثمر.
المستثمر الذي يأتي لاستكشاف فرصة جديدة في مصر، يبدأ تقييمه قبل أن يدخل قاعة الاجتماعات.
سرعة الإجراءات، وضوح النظام، وانسيابية الحركة — بما في ذلك المرور الجمركي — تعكس مستوى التنظيم والجاهزية المؤسسية في الدولة.
وكلما كانت التجربة أكثر سلاسة، عززت الثقة في بيئة الأعمال ككل.
الدول الناجحة تدرك أن التنافسية الحديثة لا تقوم فقط على الحوافز الضريبية أو المشروعات القومية الكبرى، بل على جودة التجربة اليومية — في المطار، وفي الميناء، وفي كل نقطة تماس بين المواطن أو الزائر والدولة.
وفي هذا الإطار، يصبح تقليص زمن الانتظار في الجمارك خطوة لا تقل أهمية عن أي مشروع استثماري كبير.
من هنا، فإن ما بدأ بإلغاء بطاقة صغيرة يمكن أن يكون مدخلًا لرؤية أوسع: مراجعة مستمرة للإجراءات، تبني الأفكار المبتكرة مهما بدت بسيطة، وتمكين الجهات التنفيذية — وعلى رأسها الجمارك — من استخدام أدوات أكثر تطورًا وذكاءً، بما يضع تجربة المطارات المصرية في مصاف أفضل الممارسات العالمية.
الأفكار الصغيرة ليست هامشية.
هي التي تبني الصورة الكبيرة.
استمارة تُلغى، طابور يُختصر، إجراء يُبسّط — وكلها ترسل رسالة واحدة: مصر تتحرك إلى الأمام، بعقلية حديثة، تحترم الوقت، وتدرك أن الانطباع الأول لا يُمنح فرصة ثانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك