أذكر ذات يوم، حينما كنت أعمل في إحدى شركات البرمجيات، أن مدير الشركة دعا جميع الموظفين إلى اجتماع وطرح علينا سؤالا: " ماذا تعني لك كلمة المسؤولية؟ "، وطلب من كل واحد منا أن يجيب عن السؤال.
وبدأنا نجيب؛ قال بعضنا: " أن تفعل ما يجب عليك فعله"، وقال آخر: " المسؤولية هي أن تلتزم بواجباتك تجاه أسرتك وعملك والمجتمع المحيط بك"، وكل شخص قال ما لديه.
لكن مدير الشركة، في الحقيقة، لم يجمعنا ليسمع منا، بل ليوصل إلينا رسالة واحدة مفادها أن المسؤولية تعني أن تؤدي مهامك وواجباتك في الوقت المحدد وبالشكل الصحيح، وإلا فسنستغني عن خدماتك.
هذا ما كان يريد قوله، لكن بطريقة متحضرة ودبلوماسية، لأن علامات الغضب بسبب تأخر تسليم أحد المشاريع كانت ظاهرة عليه.
لم يعد الموظف البشري قادرا على مجاراة أدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال الروتينية والبرمجة وغيرها من الأعمال، لكنه لا يزال يمتلك ما هو مطلوب في السوق ليبقى داخل اللعبة، وهو: تحمل المسؤوليةالعقاب والمكافأة: قضبان التحكم في الموظفنعم، الموظف بالنسبة لأصحاب الشركات والأعمال هو الشخص الذي إن قصر أستطيع أن أعاقبه، أو أخصم من راتبه، أو أحرمه من إجازته، أو أوبخه.
كل هذه الأسلحة كفيلة بضبط سلوك الموظف ليحقق المهام المطلوبة منه.
ولا ننسى، في المقابل، أن المكافآت والعلاوات والمنح والإجازات الإضافية هي أيضا دوافع ومحفزات لتحسين الأداء.
عقاب، تحفيز، مكافأة.
هل لهذه الكلمات معنى عند أدوات الذكاء الاصطناعي؟ هل يستطيع مدير الشركة أن يخصم من راتب تشات جي بي تي (ChatGPT) أو كلود (Claude) إن أخطأ في مهمة كلف بها؟ماذا فعل مدير شركة البرمجيات حينما حذف الذكاء الاصطناعي، عن طريق الخطأ، قواعد بيانات الشركة؟ببساطة، سامحه، بعد أن أرسل إليه الذكاء الاصطناعي رسالة مفادها: " أعتذر، لقد ارتكبت خطأ جسيما".
هل يستطيع أن يقول له: " سألغي اشتراكي كعقوبة لك"؟ هل سيشتمه؟ هل هو كائن مسؤول لتلقي عليه اللوم وتحمله المسؤولية؟تخيل المشهد: مدير غاضب يقف أمام شاشة الحاسوب، يحدق في رسالة الاعتذار الباردة، عاجزا عن توجيه عقوبة أو إصدار إنذار لأداة لا تشعر.
اللوم بحاجة إلى من يتلقاه، والعقوبة تحتاج إلى من يحس بها، والذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الاثنين معا.
الموظف البشري لا يزال هو المسؤولهنا يأتي دور الموظف المدجج بأدوات الذكاء الاصطناعي ليتحمل المسؤولية، فهو من نستطيع معاقبته.
نعم، تحمل المسؤولية هو ما يميزه عن الذكاء الاصطناعي.
هذه الميزة التنافسية لا تزال مطلوبة لدى أصحاب الشركات، فلا بد من وجود شخص يتحمل المسؤولية، والذكاء الاصطناعي في نسخته الحالية لا يستطيع ذلك.
هذه المعادلة نقلت وظيفة الموظف البشري من موظف يؤدي مهام روتينية تستغرق وقتا طويلا وجهدا كبيرا، إلى موظف مسؤول عن وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين ينجزون المهام بالنيابة عنه بحرفية وسرعة.
لم يعد الموظف البشري قادرا على مجاراة أدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال الروتينية والبرمجة وغيرها من الأعمال، لكنه لا يزال يمتلك ما هو مطلوب في السوق ليبقى داخل اللعبة، وهو: تحمل المسؤولية.
لكن.
ماذا لو طورنا يوما ذكاء اصطناعيا قادرا على الإحساس بالمسؤولية فعلا؟ وهل المسؤولية شعور يبرمج، أم وعي يولد؟مهارات لم تدرسها في الجامعةوهذا يضع الموظف البشري أمام التزام جديد، كجزء من تحمله للمسؤولية، وهو تعلم مهارات قد تكون مختلفة كليا عما درسه لسنوات في الجامعة؛ مهارات لإدارة الموظفين الجدد (وكلاء وأدوات الذكاء الاصطناعي) الواقعين ضمن دائرة مسؤوليته.
إنه مطالب بإتقان هذه المهارات التي ستجعله متقدما بخطوة على منافسيه من البشر، ريثما يتم إصدار جيل جديد من الذكاء الاصطناعي قادر على تحمل المسؤولية.
لم تعد القيمة في" من ينفذ المهمة"، بل في" من يضمن صحتها".
هذا التحول يعيد رسم خريطة الوظائف؛ فالموظف الذي يتقن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ويحسن مراقبتها يصبح أعلى قيمة من زميله الذي يتقن المهمة نفسها يدويا.
السوق يكافئ الإشراف، لا التنفيذ.
لم يعد السؤال: " ماذا تعرف أن تفعل؟ "، بل: " على ماذا أنت مستعد أن تتحمل المسؤولية؟ ".
هذه هي القيمة التنافسية الجديدة للإنسان، وهي الحصن الأخير الذي يفصله عن الآلة.
هذا ما سنناقشه في المقال القادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك