عندما تندلع الأزمات وتتقاطع المصالح وتتعقد الحسابات، تبرز الأسئلة الأهم: من يملك القدرة على التأثير؟ ومن يمتلك قنوات الاتصال؟ ومن يستطيع التحدث مع جميع الأطراف دون أن يخسر ثقة أي منها؟خلال السنوات الأخيرة، كان على مصر أن تجتاز اختباراً بالغ الصعوبة في محيط إقليمي مضطرب.
فمن جهة، اندلعت الحرب في قطاع غزة وما تبعها من تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية غير مسبوقة، ومن جهة أخرى انفجرت الأزمة السودانية بما تحمله من مخاطر مباشرة على الأمن القومي المصري واستقرار منطقة وادي النيل والقرن الأفريقي.
وفي الحالتين لم تكن القاهرة تتعامل مع أزمات بعيدة عن حدودها، وإنما مع ملفات تمس بصورة مباشرة مصالحها الاستراتيجية وأمنها الوطني.
في الملف الفلسطيني، لم يكن الدور المصري مرتبطاً فقط بجهود الوساطة التقليدية، بل شمل إدارة شبكة معقدة من الاتصالات مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، والعمل على إدخال المساعدات الإنسانية، والسعي المستمر نحو وقف إطلاق النار ومنع اتساع دائرة الحرب.
وهو ما انعكس في إشادات دولية متكررة بالدور المصري، كما أعربت أطراف دولية عديدة عن تقديرها للدور الذي تقوم به القاهرة في رعاية المفاوضات ومحاولات التهدئة.
وفي الوقت نفسه، حافظت مصر على ثبات موقفها السياسي تجاه القضية الفلسطينية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن غياب التسوية العادلة يظل أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
كما تمسكت برفض أي ترتيبات تمس الحقوق الفلسطينية أو تهدد الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها مشروعات التهجير القسري أو تصفية القضية الفلسطينية تحت أي مسمى.
أما في السودان، فقد واجهت القاهرة معضلة أكثر تعقيداً.
فالسودان ليس مجرد دولة مجاورة، بل يمثل امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.
ولذلك كان المطلوب تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين دعم استقرار الدولة السودانية والحفاظ على وحدة مؤسساتها الوطنية من جهة، وعدم الانخراط في الصراع الداخلي أو الانحياز لطرف ضد آخر من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، عبرت الدبلوماسية المصرية بوضوح عن فلسفتها تجاه الأزمة.
فقد أكد وزير الخارجية بدر عبدالعاطي أن مصر لا تنحاز إلى أي طرف سوداني بعينه، وإنما تنحاز إلى الشعب السوداني وإلى مؤسسات الدولة الوطنية، باعتبارها الضامن الأساسي لوحدة البلاد واستقرارها.
هذه المقاربة تعكس أحد أهم التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية المصرية خلال العقد الأخير.
فبدلاً من النظر إلى الأزمات، باعتبارها ساحات لتصفية الحسابات أو توسيع النفوذ، تعاملت القاهرة معها باعتبارها ملفات لإدارة المخاطر ومنع الانهيار واحتواء التداعيات.
ولذلك كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي، ومنع انتقال الفوضى إلى مناطق جديدة، وتقليل كلفة الصراعات على شعوب المنطقة.
ما يميز التجربة المصرية في هذا المجال أنها لم تعتمد على أدوات الضغط أو التدخل المباشر، بقدر اعتمادها على بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار، والحفاظ على القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف في الوقت نفسه.
وهي سياسة قد تبدو أقل صخباً من غيرها، لكنها غالباً ما تكون أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق النتائج في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التنافسات الإقليمية والدولية.
لقد أظهرت أزمتا غزة والسودان أن النفوذ الحقيقي لا يقاس بحجم التصريحات أو حدة المواقف، وإنما بالقدرة على التأثير في مسار الأحداث، والحفاظ على المصالح الوطنية، والمساهمة في احتواء الصراعات عندما تتجه المنطقة نحو مزيد من الاضطراب.
كما أثبتتا أن المكانة الإقليمية لا تُكتسب بالشعارات، وإنما تُبنى عبر تراكم الثقة والمصداقية والقدرة على تقديم حلول واقعية للأزمات.
وربما لهذا السبب أصبحت القاهرة، رغم كل ما تشهده المنطقة من استقطابات وصراعات، واحدة من العواصم القليلة القادرة على الحديث مع الجميع، والحفاظ على جسور التواصل عندما تنهار قنوات الاتصال بين الآخرين.
وهي ميزة استراتيجية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج رؤية متكاملة وضعت استقرار الدولة الوطنية في قلب السياسة الخارجية المصرية، وربطت بين متطلبات الأمن القومي ومسؤوليات الدور الإقليمي.
ومن هنا لا تبدو إدارة الأزمات في التجربة المصرية مجرد استجابة ظرفية لتطورات متلاحقة، وإنما جزء من فلسفة أوسع في إدارة الإقليم، تقوم على منع الانهيار قبل البحث عن التسويات، واحتواء الصراعات قبل اتساعها، والحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الفوضى والإرهاب والتدخلات الخارجية.
وإذا كانت الدبلوماسية الهادئة قد أعادت لمصر نفوذها الإقليمي، وإذا كان الاتزان الاستراتيجي قد منحها حرية الحركة في عالم شديد الاستقطاب، فإن القدرة على إدارة الأزمات المعقدة من فلسطين إلى السودان قدمت الدليل العملي على أن القاهرة استعادت بالفعل مكانتها كإحدى أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وهي الخبرة التي مهدت الطريق لمرحلة جديدة من السياسة الخارجية المصرية، عنوانها توسيع دوائر الحركة الدولية عبر إحياء ما عُرف تاريخياً بـ«سياسة عدم الانحياز» في عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد الأقطاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك