على الرغم من تعرضها لهجمات إيرانية خلال الحرب في الشرق الأوسط، واستضافتها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، تمكنت قطر من البروز مؤخرا كوسيط فاعل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب.
ونجحت الدوحة في تيسير المفاوضات بعد أن تعثرت الوساطة الباكستانية إثر تصعيد عسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قبل نحو أسبوعين.
وساهمت بإتمام مذكرة التفاهم الإطاري التي مهدت لانطلاق مفاوضات سويسرا الأحد.
ولطالما سعت الدولة الخليجية الصغيرة خلال العقدين الماضيين للعب دور الوسيط، في صراعات بمناطق وبلدان عدة.
لكن للوساطة هذه المرة أهمية كبرى، نظرا لتعقيدات الملف الذي تسعى الدوحة لحله، وارتباطه بخلافات بين القوة العظمى في العالم ونظام الجمهورية الإسلامية العقائدي في إيران، والذي يصف أمريكا بـ" الشيطان الأكبر"، وعمق الهوة بين البلدين المتحاربين.
بالإضافة إلى أن قطر نفسها كانت من ضمن أهداف إيران، حيث تعرضت أجواؤها ومنشآت للطاقة فيها لهجمات إيرانية خلال الحرب.
كما كانت الدوحة قد أعلنت قبل عام احتفاظها بحق الرد بعد استهداف إيران لقاعدة العُديد التي تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.
ويُنظر إلى الوساطة كأداة أساسية استثمرت فيها الدولة الخليجية الصغيرة في سياستها الخارجية منذ أكثر من 20 عاما.
حتى أن الوساطة مبدأ متأصل في السياسة الخارجية القطرية.
حيث تتبنى الدوحة، وفق وزارة الخارجية، " مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والحوار والدبلوماسية الوقائية والوساطة والمساعي الحميدة كأولوية في سياستها الخارجية، ويعتبر ذلك التزاما دستوريا لدولة قطر".
يقول الدكتور جو معكرون، الباحث في الشؤون الدولية، إن قطر" تستفيد من علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة وإيران في الوقت نفسه لتكون جزءا من الترتيبات الإقليمية التي بدأت تلعب دور الوسيط فيها".
ويوضح أن الدوحة" لم تستطع لعب دور الوسيط خلال الحرب لأنها تعرضت للقصف، فلعبت باكستان ومصر هذا الدور الأساسي.
وكانت باكستان تقوم في الفترة الأخيرة بنقل الرسائل، من دون أن تملك خبرة قطر بالوساطة، فحصل تحوّل سمح لقطر بلعب الدور الذي كانت تلعبه سابقا بعد أن حصلت الهدنة وهدأت الأمور".
" أداة للحضور الإقليمي والدولي"بدوره يقول عبد الله الطائي، الباحث في معهد السياسة والمجتمع، إن" دبلوماسية الوساطة جزء من الشخصية الدبلوماسية القطرية وقد حولتها إلى التزام دستوري".
ويرى في دور الوساطة" أداة للحضور الإقليمي والدولي".
ويشير إلى أن قطر لعبت هذا الدور في أماكن عدة من العالم، لكنها اليوم" تذهب إلى لعب نفس الدور في حرب تمس أمنها ومستقبلها بشكل مباشر، وتعتقد أنها تستطيع بالفعل أن تؤدي دورا لاعتبارات مرتبطة بالعلاقات مع طهران وواشنطن".
ويضيف: " صحيح أن قطر استهدفت وتعرضت مصالحها الحيوية للتهديد، لكن باعتقادي ثمة اعتبارات يفكر فيها الجانب القطري وهي تأثير الحرب على قطر وعلى المنطقة على مختلف الصعد".
اقرأ أيضاأكبر قواعد واشنطن بالشرق الأوسط: العديد.
استثمار قطري ونفوذ أمريكي في الخليجويشير الطائي إلى المصالح المشتركة التي تجمع طهران والدوحة، لاسيما في حقل" بارس الجنوبي" المشترك، والذي يعد أكبر حقل غاز بحري في العالم.
ويؤكد أن" الاعتبارات الجيوسياسية" تفرض الإبقاء على قنوات التواصل وإن توترت العلاقات".
ويلفت إلى أن نجاح قطر في إحداث اختراق دبلواسي سيكون" لصالح سمعتها على الصعيد العالمي وجزء من ممارسة التأثير عالميا هو دبلوماسية الوساطة".
" لا تمثل مصالح دول الخليج"ولا يرى معكرون تعارضا بين دور قطر كوسيط وتعرضها لاستهداف أو استقبالها قاعدة أمريكية.
إذ يعتبر أنه" سياستها الخارجية في السنوات الأخيرة تم بناءها على الوساطة كبرستيج".
وعن النظر إلى الوساطة كاستثمار، يقول الباحث إن قطر" قد تكون جزءا من صندوق الـ300 مليار (لإعادة إعمار إيران)، إضافة إلى دول أخرى، في حال سار الاتفاق بشكل إيجابي".
وفي حين يطرح السؤال عما إذا كان وجود قطر يضمن تمثيل مصالح دول الخليج، يعتبر معكرون أن الدوحة" لا تمثل مصالح دول الخليج وإنما مصالحها الخاصة".
ويضيف هناك تقاطع مع بعض الدول لكن لكل دولة خليجية حساباتها.
اقرأ أيضاما الدور القطري في سير المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟بينما يقول الطائي إن" قطر تمارس الوساطة بمعزل عن أي طرف آخر".
ويشير إلى عدم وجود" موقف خليجي موحد من نتائج الحرب".
ورغم عدم اعتبار قطر" ممثلة للخليج بالمطلق"، يعتبر الطائي أنه" بما أن القضية تمس الأمن الخليجي، فإن نجاح قطر بإحداث خرق سيصب لصالح المنطقة والخليج".
وكانت قطر قد حافظت منذ عقود على علاقات جيدة مع إيران رغم تضرر علاقاتها بدول خليجية.
حتى أن العلاقة بطهران دفعت بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر إلى إعلان قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر في حزيران/يونيو 2017.
إذ اتهمت هذه الدول الدوحة" بدعم جماعات إرهابية مدعومة من إيران" من بينها الحوثيين في اليمن، قبل أن تعلن السعودية عام 2021 اسئناف العلاقات.
وتربط تحقيقات إعلامية وقضايا عدة أثيرت سابقا بين فاعلية دور قطر في الوساطة واتهامها بدفع أموال لتعزيز هذا الدور.
وكان من بينها ما عرف بقضية" قطرغيت"، حيث تحقق إسرائيل بشبهات تورط مساعدين عملا في مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بتلقي أموال من قطر للتسويق لدورها كوسيط في المفاوضات بين إسرائيل وحماس خلال حرب غزة.
ويقول الطائي إن" القدرة على لعب دور الوساطة مرتبط بمجموعة من الأدوات وبإحداث الكثير من التسهيلات ومدى امتلاك الوسيط قنوات مفتوحة مع أطراف الصراع على أكثر من مستوى سياسي اقتصادي وحتى أمني".
ويرى أن" خبرة قطر الدولية في المفاوضات ووجود قنوات مع واشنطن وطهران في ذات الوقت، واتخاذها موقفا احتوائيا لإيران هو ما يجعل منها طرفا مناسبا أكثر من فكرة الاستثمار المالي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك