بين نابولي 1934 وفانكوفر 2026، ظلّ سؤال مصري قديم يرافق كأس العالم: متى يأتي الفوز الأول؟لم تكن المسألة مرتبطة بمباراة واحدة فقط، ولا بجيل واحد، ولا حتى بنجم واحد، فقد احتاج المنتخب المصري إلى 92 عامًا كي ينتقل من خانة المنتخب الذي سبق العرب وإفريقيا إلى المسرح العالمي، إلى منتخب يضع أخيرًا انتصاره الأول في سجل البطولة.
جاء الفوز على نيوزيلندا في مونديال 2026 ليكسر عقدة طويلة، لكنه فتح في الوقت نفسه بابًا أوسع لقراءة مسار مصر في كأس العالم.
كيف تأخر الانتصار كل هذا الوقت؟ ولماذا احتاجت الكرة المصرية، صاحبة التاريخ الإفريقي والعربي الكبير، إلى أربع مشاركات كي تصل إلى لحظة الفوز الأولى؟حين ظهرت مصر في كأس العالم 1934، لم تكن البطولة قد صارت بعد ذلك الحدث الكوني الذي نعرفه اليوم.
كانت النسخة الثانية فقط من المونديال، وكانت المشاركة من خارج أوروبا وأميركا الجنوبية محدودة للغاية.
في ذلك السياق، صنع المنتخب المصري لحظة مبكرة وفارقة.
أصبح أول منتخب عربي وإفريقي يخوض نهائيات كأس العالم، وواجه المجر في الدور الأول، وخسر 4-2 بعد مباراة بقي منها اسم عبد الرحمن فوزي، صاحب هدفي مصر وأحد أوائل الوجوه العربية والإفريقية التي تركت أثرًا في البطولة.
غير أن تلك البداية لم تتحول إلى تقليد.
لم تأتِ المشاركة الثانية بعد أربع سنوات أو ثماني سنوات، بل بعد 56 عامًا كاملة.
وهنا تبدأ حكاية التأخر الفعلي.
فقد سبقت مصر كثيرين إلى كأس العالم، لكنها لم تستطع تثبيت حضورها فيه.
كانت كرة القدم المصرية قوية إقليميًا وقاريًا، وامتلكت قاعدة جماهيرية ضخمة، وأندية كبرى، ولاعبين تركوا بصمتهم في إفريقيا.
لكن طريق كأس العالم ظلّ أصعب من المكانة المحلية والقارية.
فالتأهل من إفريقيا، في صيغته القديمة، كان شديد القسوة، والمقاعد محدودة، والهوامش ضيقة، وأي تعثر كان يكفي لإغلاق الطريق سنوات طويلة.
عودة 1990.
احترام كبير وفوز غائبحين عادت مصر إلى كأس العالم في إيطاليا 1990، لم تعد بوصفها منتخبًا يبحث عن الظهور فقط.
عادت بجيل منظم، وبمدرب يعرف كيف يضبط الإيقاع، وبفريق قادر على إحراج كبار المجموعة.
تعادلت مصر مع هولندا 1-1، ثم مع أيرلندا من دون أهداف، قبل أن تخسر أمام إنكلترا بهدف واحد.
لم تكن الحصيلة سيئة من حيث الصورة، فقد خرج المنتخب المصري باحترام كبير، وظهر بوصفه فريقًا صلبًا يصعب تجاوزه.
لكن تلك المشاركة كرّست مفارقة جديدة: مصر تستطيع أن تصمد في كأس العالم، لكنها لا تفوز.
كان منتخب 1990 قريبًا من صنع خطوة أكبر، غير أن أسلوبه المحافظ، وطبيعة المجموعة، وحسابات البطولة، جعلت المشاركة أقرب إلى إثبات الحضور منها إلى كسر السقف.
خرجت مصر بنقطتين، وبذكرى جيدة، وبإحساس أن الفوز كان ممكنًا، لكنه لم يأتِ.
بعد ذلك، عاد الغياب طويلًا مرة أخرى.
من 1990 إلى 2018، مرت أجيال كاملة من اللاعبين والجماهير من دون أن ترى مصر في كأس العالم.
خلال تلك الفترة، سيطرت مصر إفريقيًا في سنوات ذهبية، وفازت بكأس الأمم الإفريقية، وصنعت منتخبًا لا يُنسى بين 2006 و2010، لكنها بقيت خارج المونديال.
هنا ظهرت مفارقة أخرى في المسار المصري: التفوق الإفريقي لا يضمن بالضرورة حضورًا عالميًا.
فبطولات إفريقيا تُلعب بمنطق مختلف، أما تصفيات كأس العالم فكانت تحتاج إلى عبور لحظات فاصلة، ومباريات قليلة، وضغط نفسي هائل.
كثيرًا ما اصطدمت مصر بتلك اللحظات أكثر مما اصطدمت بفارق جودة واضح.
2018.
عودة مشحونة بخيبة ثقيلةجاءت عودة مصر إلى كأس العالم في روسيا 2018 محمولة على انتظار شعبي هائل.
كان محمد صلاح في قمة حضوره العالمي، وكانت لحظة التأهل نفسها حدثًا عاطفيًا كبيرًا بعد غياب طويل.
لكن المشاركة جاءت مثقلة بما سبقها.
إصابة صلاح قبل البطولة، حجم التوقعات، وقسوة المجموعة، كلها عوامل جعلت العودة أصعب مما بدت على الورق.
خسرت مصر أمام أوروغواي في اللحظات الأخيرة، ثم أمام روسيا، وبعدها أمام السعودية في مباراة عربية تركت مرارة إضافية.
سجل صلاح، وحضر عصام الحضري برقم تاريخي، وظهرت لقطات بقيت في الذاكرة، لكن المنتخب خرج بلا نقطة وبلا فوز.
تحولت العودة التي انتظرها المصريون 28 عامًا إلى خيبة جديدة، وأضافت طبقة أخرى إلى عقدة المونديال.
لم يكن فشل 2018 كرويًا فقط.
كان أيضًا فشلًا في إدارة التوقعات.
فقد دخلت مصر البطولة وهي تريد تعويض غياب طويل بضربة واحدة، كأن المشاركة نفسها لم تعد تكفي، وكأن الفوز صار واجبًا فوريًا بعد كل تلك السنوات.
تلك الضغوط كثيرًا ما رافقت المنتخب المصري في كأس العالم.
فكل ظهور كان يأتي بعد غياب طويل، لذلك لم تكن مصر تدخل البطولة بإيقاع منتخب معتاد على المسرح العالمي، بل بإحساس منتخب يحمل ذاكرة بلد كامل فوق كتفيه.
لا يفسَّر تأخر الفوز المصري بسبب واحد.
هناك تاريخ كامل من الانقطاعات، وقسوة نظام التصفيات، وتبدل الأجيال، وفجوة بين النجاح القاري والحضور العالمي.
أول الأسباب أن مصر لم تلعب كثيرًا في كأس العالم.
قبل مونديال 2026، خاضت سبع مباريات فقط في النهائيات على امتداد 92 عامًا.
هذا الرقم صغير جدًا قياسًا بتاريخ المنتخب وحجم اللعبة في البلاد.
المنتخبات تبني خبرتها المونديالية بالتكرار، ومصر لم تحصل على هذا التكرار إلا نادرًا.
ثاني الأسباب أن كل مشاركة جاءت في زمن مختلف وبجهاز مختلف وجيل مختلف.
لم تتراكم التجربة بالشكل الكافي.
منتخب 1934 لم يترك امتدادًا مباشرًا، ومنتخب 1990 لم يتبعه حضور قريب، ومنتخب 2018 عاد بعد انتظار طويل ثم خرج سريعًا.
في كل مرة، كانت مصر تبدأ تقريبًا من جديد.
ثالث الأسباب أن كأس العالم لا يكافئ التاريخ المحلي وحده.
الأهلي والزمالك، والدوري المصري، والجماهيرية الهائلة، وألقاب إفريقيا، كلها تمنح مصر مكانة كبيرة في محيطها.
غير أن البطولة العالمية تحتاج إلى تفاصيل أخرى: سرعة أعلى، إدارة أدق للحظات، جرأة هجومية محسوبة، وقدرة على التعامل مع مباريات لا تمنح فرصة ثانية.
رابع الأسباب نفسي بقدر ما هو فني.
كلما طال انتظار الفوز، صار الفوز نفسه أثقل.
تتحول المباراة إلى امتحان للذاكرة، لا للاعبين وحدهم.
يدخل الجيل الجديد وفي ذهنه ما لم يحققه السابقون، وتدخل الجماهير وهي تبحث عن لحظة تعيد ترتيب الحكاية كلها.
2026.
حين تغيرت العلاقة مع الموندياللهذا، لا يبدو فوز مصر الأول في كأس العالم مجرد نتيجة سعيدة داخل مجموعة.
قيمته أنه يحرر العلاقة المصرية مع البطولة من سؤال قديم جدًا.
الفوز على نيوزيلندا لم يمحُ تعثرات الماضي، ولم يحوّل مصر فجأة إلى قوة عالمية، لكنه أخرجها من خانة الانتظار.
صار في سجلها المونديالي انتصار أخيرًا.
لم يعد الحديث محصورًا في" متى تفوز مصر؟ "، بل انتقل إلى سؤال جديد: ماذا يمكن أن تفعل بعد الفوز؟تلك النقلة مهمة.
فالمنتخبات لا تحتاج إلى الإنجازات الكبرى وحدها كي تتغير علاقتها بالبطولات.
أحيانًا تكفي عتبة أولى: فوز أول، هدف حاسم، تأهل من مجموعة، أو ليلة يشعر فيها اللاعبون أن التاريخ لم يعد خصمًا ثقيلًا.
في 2026، جاءت مصر إلى المونديال بصورة مختلفة.
صلاح حاضر بخبرة أكبر، وحسام حسن على الخط يحمل جزءًا من ذاكرة 1990، وجيل جديد يعرف أن البطولة لا تُربح بالعاطفة وحدها.
بعد التعادل الافتتاحي أمام بلجيكا، منح الفوز على نيوزيلندا المنتخب المصري ما كان ينقصه طويلًا: نقطة تحول معنوية لا تُقاس بالنقاط فقط.
قد تكون الطريق التالية أصعب.
فالفوز الأول لا يكفي وحده لصناعة بطولة ناجحة، ولا يضمن العبور، ولا يلغي الحاجة إلى قراءة التفاصيل الفنية والبدنية.
لكنه يغيّر نبرة الحكاية.
انتظرت مصر 92 عامًا كي تربح مباراة في كأس العالم.
تأخر الانتصار لأن الحضور كان متقطعًا، والتأهل صعبًا، والضغط متراكمًا، والتاريخ أثقل من مباراة واحدة.
وحين جاء أخيرًا، بدا كأنه أكثر من فوز على منافس في دور المجموعات.
كان أشبه بإغلاق فصل طويل من الانتظار، وفتح فصل جديد عنوانه أن مصر لم تعد تبحث فقط عن فوزها الأول في كأس العالم، بل عن معنى هذا الفوز وما يمكن أن يبنى عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك