تقترن هذه الأيّام بصدور نتائج الامتحانات في المدارس، لا سيما امتحانات التعليم المتوسط ثم البكالوريا (الثانوية العامّة).
إنّها مرحلة مهمّة في حياة كلّ طفل أو مراهق، وفي الماضي القريب كان النّاس يكتفون بالنجاح بفرح في وسط العائلة أو بين الجيران.
قد يوزّع أهل النّاجح حلويات أو يقيمون غداءً أو عشاءً ثم ينفض الجمع، وتعود الأمور إلى سابق عهدها.
كان النجاح يُقاس على المدى الطويل، عندما يواصل الطفل أو المراهق تعليمه إلى مستويات أعلى ويتخرّج في الجامعة.
لكن منذ سنين قليلة، جرّاء سطوة مواقع التواصل وتزايد أعداد الفضائيات المحلية في الجزائر، صار النّجاح في المدرسة مرادفًا لحملة وطنية، يُدعى إليها جمهور رقمي من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبها.
بل إن الجميع يشارك في الاحتفاء بناجح لا يعرف أحد شيئًا عن حياته ولا مسكنه.
المهم أن هناك ناجحا، وهذا سبب كفيل بإشعال التعليقات واللايكات.
بمجرد أن تُعلن النتائج حتى تنتصب الكاميرات والميكروفونات والموبايلات، يدخل الكلّ في حالة تأهب، في رصد حركات النّاجحين، كلماتهم، صرخات فرحهم أو دموع افتخارهم، يتحوّل اليوم الذي تُعلن فيه النتائج إلى مهرجان من الأحاسيس تعرض على جمهور غير مرئي يجلس خلف الشاشات.
وهذا الجمهور لم يطلب أن يشاهد ما يحصل لكنه يجد نفسه مجبرًا على السير في مجرى الحدث.
لم تعد الدّراسة حكرًا على قطاع التّعليم بل تحوّلت إلى صورة وفيديو، صارت ظاهرة تستقطب جمهور الفيسبوك وتيك وتوك.
إن الفضائيات في الجزائر وبحكم عجزها على ملء ساعات البثّ، في بعض الأحيان، تلجأ إلى هذه الحيلة في ملء الفراغ، من خلال تصوير الناجحين وعائلاتهم، بل كذلك جيرانهم أو قططهم أو ما يتوافرون عليه من حيوانات أليفة في البيت.
المهم أن تجد هذه الفضائيات مادة تملأ بها الخانات الفارغة في برامجها.
من الظاهر يبدو أنها فكرة حميدة، من شأنها نشر طاقة إبجابية وتشجيع النّاجحين على مواصلة الطريق، لكنها في العمق تنضوي على فكرة تزيد من يأس الرّاسبين.
على غرار كلّ امتحان يوجد من ينجح ومن يرسب، وهذه الفئة الأخير تشعر بنقص بحكم أن احتفالات الآخرين تحاصرها في كلّ مكان، بما في ذلك السوشيال ميديا أو على الفضائيات، بما يشعرها بدونية إزاء غيرها.
صار النّجاح في المدرسة غير مكتمل إذا لم يتلوه تحقّق اجتماعي على الفضائيات أو في مواقع التواصل.
فالجميع يبدو مبتهجًا بنشر كشوفات نقاط الناجح أو تعميم صوره، من غير أن يعلم أن فعلته تزيد من الضغط النفسي على المعني، سيشعر من واجبه في المستقبل ليس أن ينجح فحسب، بل أن يرضي الآخرين.
يرتبط في مخيّلته أن نجاحه منقوص في حال لم يرتبط بردود فعل الغير.
فكلّ نجاح لا تتلوه شهرة في مواقع التواصل الاجتماعي يصير نجاحًا غير مكتمل.
هكذا يبدو أن المدرسة قد أفلتت من مناهج التعليم وتحوّلت إلى استعراض.
تحوّلت إلى صور وفيديوهات تعرض في كلّ مكان، في أحيان من غير رضا المعني ومن دون موافقة منه، فالناجح نفسه يصير محتجزًا في موجة التفاعل على الفضائيات أو مواقع التواصل الاجتماعي، غير قادر على التحكم في صورته، كما لا يقدر على الردّ على تعليقات في بعض الأحيان تنضوي على تنمّر أو سوء تقدير نحوه.
بدل أن ينحصر تقييم تلميذ على أستاذ أو لجنة من الأساتذة الذين يصححون أوراق الإمتحان، صار الجمهور الرّقمي يلعب دورًا كذلك في تقييم النّجاح من عدمه.
إذا زاد عدد المتفاعلين يزداد التلميذ اطمئنانًا وإذا انخفض يظنّ أن في الأمر نقص تجاهه.
وعقب موجة الاحتفاء الافتراضية، التي لا تدوم في الغالب إلا بضعة أيّام، كيف تصير حياة هذا التلميذ؟من المتعارف عليه في علم النفس أن الدّخول في حلقة الأضواء ليس سهلًا، لكن الخروج منها أو افتقدها من شأنه أن يخلف فراغا في نفسية الشخص.
هل يجرّ إلى التّفكير في الحالة النفسية لهؤلاء الأطفال عندما تنطفئ الأضواء ويقلّ الاهتمام بهم في مواقع التواصل الاجتماعي.
إن هذه الموجة التي ترافق الاعلان عن نتائج الامتحانات من شأنها أن تخلّف ضررًا نفسيا أكثر مما تفيد الطّفل.
من جهة فإن التّلميذ الرّاسب يشعر كأن الجميع قد انصرف عنه، وحيدًا ومعزولًا يجد نفسه، بينما التلميذ الناجح لا يهون عليه أن تغيب الأضواء فجأة، ثم يعود إلى عزلته من جديد.
إنّها نجومية زائفة، تظهر فجأة ثم تغيب فجأة، ويتحمّل أثرها تلاميذ لا يزالون في طور الطفولة أو المراهقة.
من الطبيعي تقدير النّجاح والإعلاء من شأنه، لكن عندما يتحوّل نجاح طفل أو مراهق في التعليم المتوسط أو في الثانوية، يتحوّل إلى موكب سيارات يجوب الشوارع، ومن حوله موبايلات توثق اللحظة، أو يتحوّل إلى حفلات صاخبة في قاعة أفراح، أو إلى هرج يطول أياما، فإن الأمر يتعدى النّجاح في امتحان عادي إلى مكابدة من أجل كسب مكانة اجتماعية، بالاستفادة من اهتمام فضائية أو فضول روّاد مواقع التواصل.
وهذا ما يسعى إليه بعض الأولياء، عندما يحوّلون نجاح ابنهم إلى نجاح لهم، يرجون منه مرتبة بين أقرانهم.
يطيلون في عمر الفرح وفي تمديد المشاهد الاحتفالية بما يضمن لهم سمعة في الجماعة التي ينتمون إليها.
هكذا هو المشهد في السنين الأخيرة، بعدما كان النّجاح في المدرسة يُحتفى به في وسط العائلة والجيران، فقد تحوّل إلى مسألة وطنية، لا تكتمل سوى إذا انضم إليها جمهور رقمي من خلف الشاشات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك