لا تقاس جدوى القوانين والمراسيم الصادرة عن أية دولة بما تحتويه من أحكام ونصوص فحسب، بل بما قد تستثنيه أو تهمشه من مسائل وقضايا مؤجلة ومفتوحة إلى الآن.
اليوم، في سوريا وبعد إصدار المرسوم الرئاسي 13 الخاص بالكورد، طُرِحت عدة استفهامات كانت، ولاتزال، معلقة حول أحد أهم الملفات التمييزية والإقصائية ذات السياسات الممنهجة ضد الشعب الكوردي وهو ملف مشروع الحزام العربي الذي تعود جذوره إلى ستينيات القرن الماضي وطبق فعلياً بموجب القرار رقم 521 في عهد نظام الأسد الأب (سبعينيات القرن نفسه) بتاريخ 24 حزيران عام 1974 في محافظة الحسكة.
الحزام العربي، الممتد على طول 275 كم وبعمق 15 كم من ديرك شرقاً إلى سري كانيه غرباً المعروفة باسم أراضي خط العشرة، الذي ترك وراءه تداعيات قانونية وسياسية واجتماعية أغفلت منذ ذلك الوقت دون مقاربتها أو حتى الحديث عن تبعاتها على البنية الديموغرافية وعلاقة المكونات ببعضها، بلور موجة من التساؤلات لاسيما في ظل المرحلة الانتقالية وبعد إصدار المرسوم من دمشق والذي غيبه بشكل كلي.
وهنا، يتصدر السؤال الأعمق في قلب المشهد: ما الدوافع وراء تجاهل ذكر الحزام العربي في المرسوم 13؟ وهل يعزى ذلك إلى إشكاليات قانونية وسياسية تحد من إمكانية معالجته حالياً، أم أن النظر فيه بات مؤجلا إلى وقت لاحق ضمن مسار العدالة الانتقالية؟ وهل يعكس غياب هذا الملف توجهاً نحو الانتقائية في معالجة القضايا العالقة؟
الحزام الغائب عن المرسوم 13.
لماذا؟اعتبر كثيرون، كورداً وعرباً، أن المرسوم رقم 13 الذي صدر عن السلطة الانتقالية في سوريا خطوة مفصلية في تاريخ الكورد السوريين بما يتضمنه من اعتراف، غير دستوري، بحقوق الكورد الثقافية واللغوية ومعالجة آثار إحصاء 1962، لكنه في الحقيقة تجاهل تناول ملف الحزام العربي بشكل واضح، ما أثار تساؤلات جلية فيما يتعلق بدوافع التغييب الفعلي لهذا الملف ضمن المرسوم 13.
سياسياً، يمكن ترجيح هذا الغياب إلى المقاربة غير الجدية والحقيقية للقضية الكوردية في سوريا (قرار سياسي) رغم أن هذا الملف يعتبر من أشد أنواع المظالم السياسية التاريخية التي تعرض لها الكورد على مستوى تغيير البنية الديموغرافية ونهج التعريب الجائر بحق الكورد و مناطقهم الأصلية.
في ذات السياق، ليس بالإمكان عزل مخطط الحزام العربي عن استراتيجيات الانتهاكات التي كانت، ولا تزال، تمس الوجود الكوردي على مر العقود، ما يعني أن السلطة الانتقالية في دمشق تحاول بلورة مشهد من الاعتراف على هيئة غير دستورية وغير مباشرة بقسم بسيط من الحقوق المدنية واللغوية الكوردية بمنأى عن الخوض المباشر لمعالجة هذا الملف الذي يتطلب بلا شك الاستحقاقات التي طال انتظارها لا سيما السياسية والقانونية.
ومما لاشك فيه أيضاً، أن هذه المسألة تعد تقييما عملياً وتجربة واقعية حول مدى جاهزية دمشق للإقرار بالانعكاسات السلبية المستمرة للسياسات السابقة واحتوائها بما يضمن التعامل الصحيح سياسيا وقانونياً، وإنهاء آثار هذا الملف كجزء من استرداد الحقوق لأصحابها على أقل تقدير ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي سيظل غير مكتملا في حال تخطيه، عمدا أو بغير عمد، ملفات التغيير الديموغرافي والتعريب والسجلات الرسمية والملكية العقارية.
في المقابل، إقصاء هذا الملف من المرسوم الصادر ربما ينم عن توجس خطير بشأن التزام السلطة الرسمي تجاه النهج الإقصائي الذي مورس بحق الكورد في العقود المنصرمة، وما سينجم عنه من دعوات مباشرة من قبل الكورد للبحث في جوهر المشكلة وما صدر عنها من قرارات تعسفية، وبالتالي التشديد على استعادة مجمل الحقوق التي سُلِبت منهم قسراً وعنوة.
في ضوء هذا الطرح، يبدو أن غياب الحزام العربي يفسَّر بكونه رؤية سياسية عميقة في سياق الملفات الأشد حساسية في مسار العلاقات بين الشعب الكوردي والسلطات السورية منذ زمن، ولايزال مستمراً كما هو جلي لنا الآن.
استناداً إلى ذلك، فإن عملية الأمن الراسخ والاستقرار المستدام لن يكتب لها التجسيد والإنجاز، مالم تعالج كافة القضايا الخلافية طبقاً لمعايير ومبادئ وأسس قانونية تراعي التوازنات بين الاستحقاقات والمتطلبات.
قانونياً، معالجة غياب هذا الملف المعقد تتطلب إطاراً قانونياً ومسارا قضائياً عبر هيئات ولجان متخصصة تبحث في مسائل جبر الضرر والملكية والعقارات وكل ما له صلة بإنصاف المتضررين وتمكين أصحاب الحقوق من حقوقهم، ما يعني تجاوز الإطار الذي رسمه المرسوم 13.
لا يمكننا فصل موضوع الحزام العربي عن مسار العدالة الانتقالية مستقبلاً، ما يفرض مقاربة قابلة للتطبيق ضمن السياق الحالي عبر حزمة تدابير على المستويات المؤسساتية والقانونية والسياسية لبناء واقع من التوازن بين إنصاف المتضررين ودعم الاستقرار أبرزها تشكيل هيئة مستقلة ضمن إطار العدالة الانتقالية تُعنى بملف الحزام العربي، مسؤوليتها حفظ وتوثيق وجمع كافة السجلات فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة التي وقعت بشكل ممنهج ضد الكورد ومعالجة تداعياتها عبر إعداد قاعدة بيانات رسمية.
إضافة إلى ذلك، العمل على إشراك كافة المكونات والمجتمع المحلي والخبراء في القطاع القانوني والمنظمات الحقوقية وكذلك النخب السياسية والمؤسسات ذات الصلة في منهج الإصلاح ومناقشة آليات الحل، كونهم الأقرب لوضع خطط العمل الأكثر قابلية للتنفيذ وتناسب تطلعات الجميع دون استثناء.
ومن الممكن تناول كافة المظالم ومعالجتها عبر إصلاح منظومة السجلات العقارية الخاصة بالمتضررين بشكل علني وصريح، واستعادة ممتلكات وأراضي المتأثرين بما يضمن جبر الضرر بصورة رئيسية، مع التركيز على بعض الحالات الاستثنائية التي يستحيل استرجاعها، ما يستوجب تطبيق قاعدة العدالة في التعويض.
علاوة على ذلك، إطلاق مسار قضائي يختص بقضايا العقار المتنازع عليه نتيجة سياسات تطبيقية لمشروع الحزام العربي المجحف، وما يرافقه من تعامل دقيق مع كل حالة وبشكل مستقل.
ووضع ضمانات قانونية تحظر الأساليب الإقصائية والتمييزية.
ولبناء إطار قانوني يحمي الجميع ينبغي تضمين هذا الملف ضمن مقاربة شاملة على مستوى سوريا مع الحفاظ التام على الخصوصية الكوردية والملفات المتعلقة بالانتهاكات التي ارتكبت بحقهم.
وبذات السياق، ينبغي الاعتراف الرسمي بأن هذا الملف هو مظلم تاريخي بحق الكورد ويجب معالجته، وتناوله ضمن قضايا العدالة الانتقالية دون شك.
أخيراً، ولمعالجة هذا الملف، ينبغي بناء جسور الثقة من جديد بين الكورد والسلطة الانتقالية في دمشق، والاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرضوا لها ومعالجتها ضمن مسار عدالة انتقالية شاملة.
ومع الغياب شبه الكامل للأطر الدستورية والقانونية والسياسية فيما يتعلق بهذا المشروع، يظل السؤال مفتوحاً: هل تكتمل العدالة الانتقالية بغياب الأرض، وهل من الممكن أن تطوى المظالم بالصمت، وتسبق المصالحة الإنصاف؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك