أن يكون المرء صلفا هو أن يكون مزهوا في غرور، متكبرا في تعال مترفعا في ادّعاء، ولذلك اعتبر الصلف في المرء نقيصة وعجرفة وكبرا لا يورث إلاّ الازدراء.
ونقل هذا المعنى من وصف البشر إلى عناصر أخرى طبيعية أو ثقافية فقيل عن السحاب إنّه صلف، إذا كان رعده كثير ومطره معدوم، ويقال عن أرض إنّها صلفة الزرع إذا كان زرعها قليل لا خير فيه، وقيل عن الطعام إنّه صلف إذا كان قليل الخير معدوم البركة.
لكنّ هذه المعاني المتطوّرة عن المعنى البشري تدور في فلكه ولا تكاد تغادره.
والحقّ أنّ الصلف أمر مرتبط بالصوت والكلام ففي السحاب صلف اعتمادا على صوت الرعد فيه والبرق الخلب، والقدر الذي يكثر صوته ويقل خيره هو من هذا النوع، وكذلك البشر فإنّ الصلف أمر مدرك لديهم إذا ما تكلموا فالصلف إذا ما نسب إلى بني البشر فإنّه لا ينسب إليهم إلاّ بناء على جملة من الكلام قالوه.
لكنّ الصلف بهذا الاعتبار مقام له خصوصيات من بينها أنّ العلاقة بين من يتكلم عن نفسه ومن يستمع إليه هي علاقة مهتزة لا ثقة فيها فهي علاقة من يقول ويكذّب ومن يصف نفسه فيرمى بالمبالغة في الوصف والخيلاء والغرور، صحيح أنّ هذه العلاقة متوتّرة ولكنّها مبنيّة على تجربة تصدرها الجماعة على فرد هو الصّلِف بناء على عدم تطابق بين ما يقوله عن نفسه والواقع.
ليست عبارة الكاذب قريبة من هذا المعنى ولا مفيدة أصلا، على الرغم من أنّ شرط عدم المطابقة بين ما يقوله الصلف والواقع متوفّرة، فالكذب ليس عبارة دقيقة لوصف المطابقة بين ما يقوله الصلف والواقع ذلك أنّ الصلف يمكن أن يقول شيئا صادقا عن نفسه ولكنّه يكون مستثقلا ممن يستمع إليه، وهنا ندخل في معيار أخلاقي اجتماعي يتمثل في عدم قبول إسناد صفات مادحة للنفس بقصد التباهي بها، حتى إن كانت صادقة.
هنا يتحكم الأخلاقي الجمعي ويضيق على أخلاق الفرد ويدعوه إلى الانضباط لنواميس الجماعة الأخلاقية: إمّا أن تفتخر بالمجموعة التي أنت فيها، وإمّا أن تتواضع باعتبارك فردا أمامها.
منطق القبيلة المضمر ههنا يحيل على تركة قديمة ما تزال مترسبة في الوعي الجمعي: الأقوال التي يسم بها المرء نفسه لها مساحات وسجلات محدودة، إن تجاوزتها بات الثناء على النفس غير مقبول.
من جهة ثانية يقتضي مقام الصلف لدى منتج القول والمسمّى صَلِفا أن يكون قاصدا إلى تضخيم ذاته والتعالي بها فوق الجماعة اللغوية والاجتماعية التي تشاركها الفضاء العام أو الخاصّ فما من صلف في القول، إلا وهو عمل واع يحقق رغبة لدى المتكلم فيها شعور بإلإعلاء والاستعلاء: إعلاء الذات والاستعلاء على الجماعة التي يريد الصلف أن يكون عمله القولي مولدا بينهم لازما نفسيا من لوازم قوله وهو الشعور بالضيق من أجل أنّ فردا يريد أن يرتفع على آخر أو على مجموعة.
يمكن أن نجد الصلف في قصائد الفخر القديمة، لكن حتى تتمّ أركانه في الفخريات هذه ينبغي أن يكون الآخر المتعالى عليه حاضرا حضورا صريحا، ويكون مخاطبا خطابا صريحا، وهذا ما يمكن أن نجده في قصيدة عمرو بن كلثوم مثلا، وفيها حديث لا عن صلف الفرد، بل عن صلف الجماعة على الجماعة.
تعالي الفرد في الخطاب الفخري القديم لا يمكن أن يتناول على أنّه صلف إلاّ في السياقات القليلة التي يريد فيها شخص مكلوم أن يتعالى على آخر ظلمه ولكنّه يظلّ في هذا الإطار مشروع صلف، طالما أنّ الوقائع لا توفّر لنا معطيات دالة على أنّ له من الصفات ما ادّعاه فعلى سبيل المثال لا يمكن أن نعتبر فخر عنترة العبسي بفروسيته بين بني قومه صلفا، لأنّ ما ولّده منطق التعويض، ولا يوجد نظير لديه حتى يتعالى عليه.
ولا يمكن أن نعتبر فخر الصعلوك عروة بن الورد بصعلتكه الحقيقية وتعاليه على الصعلوك المزيف صلفا بل فيها ضرب من المقارنة بين نهجين في الحياة يظهر الشاعر أنّ مقابله نهج فيها هجين ويتعاطف معه القارئ.
في معلقة عمرو بن كلثوم صدى صوتين يصلح أن يجعلنا نطرح مسألة صلف القبيلة للدرس يقول الشاعر: (ألا لا يجهلن أحدٌ علينا/ فنجهل فوق جهل الجاهلينا): في هذا البيت تقابل بين قوتين واستعداد للاستعلاء يفهم من الظرف (فوق) وهناك قيمة متنافس حولها وهو الجهل (بمعنى )عدم الاعتراف بالقيمة.
لا يمكن أن يدخل الكلام في باب الصلف في الظاهر، لأنّ فيه ردّا بالمثل على تجاهل سابق فهو ضرب من الردّ الشرعي الذي فيه اعتداد بالنفس وتحدّ لموقف بموقف أكبر منه، أو فيه ردّ للجهل بجهل أشدّ منه.
لن يصبح جهل الآخرين صلفا إلاّ إذا كان قوم الشاعر في وضع قوّة، وأنكر عليهم المتجاهلون الضعفاء قوّتهم ولن يصبح ردّ الفعل بالجهل صلفا إلاّ إذا كان الآخرون أقوى وتجاهلهم لهم مشروعا.
هذه المعطيات لا يمكن الحسم فيها إلاّ إذا توفّرت بالطبع معطيات (ليست بالضرورة تاريخية، فنحن في خيال شعري) تجعل كفة طرف مائلة على كفة الآخر.
في هذه القصيدة كثير من العناصر التي تحمل على الفخر لكنّها يمكن أن تدخل في الصلف كما في قوله: (وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً/ وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَا).
الصلف يبن من خلال المبالغة في تعظيم القبيلة، ورفع شأنها فوق سائر القبائل.
فالشاعر لا يكتفي بإثبات القوة لقومه، بل يصورهم وكأنهم يستأثرون بأفضل الأشياء (الماء الصافي)، بينما يُترك غيرهم للـكدر والطين.
نستطيع أن نتأكذ هنا أنّ في المعنى صلفا لأنّ شرب الغير بإطلاق للكدر المطين من الماء، غير مقبول عقلا.
غير أنّ وتيرة الصلف في القصيدة يمكن أن نجدها في أعلى درجاتها في قوله: (إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا).
يبنى الصلف هنا على تناظر بين عالمين ممكنين: عالم الواقع الذي نعرف فيه خصائص الصبي المنفطم وضعفه وجبروت الأكاسرة وسطوتهم وعالم افتراضي خيالي تسخّر فيها القوّة الثانية لضعف الأوّل لتجعل منه الطرف الأقوى فقط لعلة النسبة إلى قبيلة الشاعر.
هذا الانتقال لا يُفهم بوصفه خطأ في مطابقة الواقع، بل بوصفه تعليقا مقصودا لقيود العالم الواقعي وإعادة تشكيلها ضمن عالم ممكن شعري تتسع فيه حدود الاحتمال إلى درجة الانفصال عن الواقع، وكل ذلك بدافع الصلف.
يتحول المعنى داخل دائرة الصلف من مجرد مبالغة إلى تمثيل للواقع يعاد فيه بناء الهوية الجمعية المتخيلة بهدم هرميات وبناء أخرى.
إنّ ما يصنع العالم الممكن الذي تتعالى فيه صفات الفرد بدافع الصلف، لكي تكسر كلّ النواميس الواقعية وتتجاهل السائر وتدك عنق السائد هو لغة صلفة في ذاتها تنسج كلامها من قوانين اللغة العادية، وتحوكها بعباراتها المألوفة لكنّها وهي تبني الأكوان تبني المألوف منها وتخلق زاوية نظر ترى أنت المستمع من خلالها ذاتا متعالية متكبرة، ويرى الباني لذلك الكون ذاته فوق كل الذرى التي لا تستحق أن تركع جبالها وأوديتها إلا له.
كل ذلك شرعي في الكلام لكنّه بمعيار الأخلاق يسمّى صلفا وكبرا وتعاليا.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك