لم يكتب ألفريد كوبِن سوى هذه الرواية، كان يمّر، هو الموسيقي، بأزمة تعطّل الإبداع فلجأ إلى الكتابة.
لقارئها تبدو «الضفّة الأخرى» حاملة لكل ما راوده من أفكار وتأملات في معنى الحياة وجدواها، كما كل التهيؤات المتعلّقة بخراب العالم وقيامه على قواعد هشّه، بل ومهتزة ومقبلة على الانهيار.
وهو يبدو بذلك الإفراط اللامتناهي كأنه لم يترك في نفسه شيئا لأعمال كتابية أو فنيّة يزمع القيام بها.
كما أنه، من ناحية أخرى، لم يُبد كبير اهتمام بشروط الرواية ومراحل التعاقب الزمني فيها، ولم يقم كذلك بما يحرص الروائيون على اتّباعه وهو التشويق والتدرج السردي.
فقد رمى كل ما لديه في وجوه قارئيه، هكذا دفعة واحدة، أو كتلة واحدة من السخط الذي لم يتوقّف.
لكن، مع ذلك، يستشهد ناشر الكتاب بجملة هرمان هسّه الذي قال، إن هذه أهم رواية قرأها.
فقد تركت تأثيرها على فرانز كافكا، وعلى الأخص في كتابيه الخالدين «القلعة» و»المحكمة»، كما تركت طابعها على كتاب جورج أورويل «1984» المحذّر من انتصار الديكتاتورية على العالم.
لكن في الصفحات الأولى من الكتاب يجد القارئ نفسه في بداية رواية جاذبة ومغرية بالقراءة.
رجل يعيش مع زوجته في ألمانيا يأتيه زائر يحمل دعوة من صديق طفولته، لا للاكتفاء بالتفرّج على ما بات يملكه رفيق المدرسة القديم هذا، بل للإقامة الدائمة في مدينة الأحلام.
ولم يتأخّر الرجل الذي يعمل رسّاما في إبداء الموافقة، فقام بالرحلة، هو وزوجته، قاطعا قارّات وبلدانا إلى حيث أقيم عالم الأحلام ذاك.
وهناك لم يطل به المقام حتى اكتشاف سوء المكان، بدءا بمناخه وهوائه، وطبيعته ولون سمائه المتقلّب، الذي لم يسبق لصاحبنا أن شاهد مثله من قبل.
ربما كان وصف ذاك المكان حاملا لأكثر التخيّلات غرابة عن السوء الممكن أن يكون عليه العالم، وهو لا بدّ ترك أثرا بالغا في الكتابة الروائية، عن عالم مضادة طبيعته وألوانه لما هو معروف من انتظام الدنيا وتعاقب فصولها.
ولن يتأخرّ قارئو الرواية في معرفة أن صديق الطفولة، الذي أصبح ثراؤه أكثر من أن يكون خرافيا، لم يبن جنة على الأرض الواسعة التي حدّد الروائي مساحتها، وعدد سكانها، وموقعها على خريطة الكرة الأرضية، بل أنشأ جحيما.
كان كلاوس باتيرا صاحب الثروة الهائلة، قد استكمل بناء عالم أحلامه، متحدّيا العالم الطبيعي الذي يبدو كأنه صنع من تتالى المصادفات.
فهنا سيتفاجأ القادمون، فور وصولهم، بأن خراب ذاك العالم قد اكتمل قبل وفودهم إليه.
وهم بدأوا بكرههم لبعضهم بعضا، ولا بارقة أمل متاحة أمامهم لتغيير ما وجدوا أنفسهم فيه.
أدركوا أنهم محكومون بإرادة داعيهم صاحب الأرض، أو الأرض الحلم.
أما صاحبنا الرسام، الذي عاش من مبلغ تشجيعي أعطي له، وهو مئة ألف مارك، كما من عمله في صحيفة يومية تصدر هناك، لم يستطع أن يلتقي، ولو لمرّة واحدة، صديق طفولته الكبير، رغم محاولاته العديدة.
وكذا كان حال جميع من وفدوا إلى عاصمة ذاك العالم، فلم يُلبّ لأي منه طلبه لمقابلة القائد، المقيم في قصره أو قلعته.
ثم ما لبثت أرض الأحلام تلك أن نكبت بجدب الأرض وغلاء الأسعار، ثم بالمجاعة التي بلغت حدودا غير معروفة.
وقد أدّى ذلك إلى انتشار الوباء وتكاثر الحيوانات والقوارض والهوام، حتى باتت كل هذه تسير في الطرقأّت التي كانت أُعدت لتجوال البشر.
ثم راح كل شيء يتضخم، أعدادا وأحجاما.
وقد أدّى ذلك إلى ازدياد أنواع الوباء التي من بينها النسيان، ما يذكّر بما أصاب قوم رواية «مئة عام من العزلة» التي صدرت بعد عقود من هذه الرواية في 1907.
كل ذلك كان يوصف انطلاقا من مخيّلة خراب جامحة، حيث لا يقف كل شيء عند حدّ خراب معروف.
كقارئ لهذه الرواية راح يبدو لي، أولا، أن الكاتب ألفرِيد كوبِن كان يعدّد كل ما يمكن للخراب أن يبلغه ليستطرد بعد ذلك في الذهاب إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه كل من أنواعه.
وإذ يحاول القارئ أن يرجع ذلك الخراب إلى سيطرة عقيدة أو تجربة سياسية، شأن ما دلّت إليه رواية 1984 في مكافحتها للأخ الأكبر، يروح يتساءل إن كنا في إدانة الحكم المتفرّد، أو في ميل البشر إلى السيطرة، أو إلى سعي كل واقع ليكون محل سابقه.
إلى هذا الخيار الأخير تشير الرواية إلى ظهور منافس لكلاوس باتيرا صاحب مملكة الأحلام.
لقد ظهر اليانكي فجأة في الرواية، مزودّا بثروة لم تُعهد من قبل، وهو أعدّ خططا لانتشال مدينة الأحلام من مأساتها.
بسرعة تحوّل الرجلان المتواجهان إلى كائنين متصارعين، تنطبق على مواصفاتهما ما انطبق على تلك المدينة من فظاعات وتشوّه.
«الضفّة الأخرى» رواية ألفريد كوبِن صدرت عن منشورات سدرة ونقلها عن الألمانية أحمد الزناتي في 364 صفحة- سنة 2025.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك