يحذّر متخصّصون ومعنيّون من تداعيات الجرائم الأسرية في ليبيا على النسيج المجتمعي، رابطين ارتفاع وتيرتها باستمرار الخلافات القديمة المرتبطة بالميراث، وعدم الثقة بالقضاء وتراجع مكانة الأعراف والوساطات، إلى جانب عوامل الإدمان وتراكم مشاعر الظلم والقهر والعنف.
تزداد وتيرة جرائم العنف الأسري في ليبيا وسط انتشار السلاح والفوضى الأمنية وتغيّر منظومة الردع الاجتماعي، في حين تتباين الآراء حيال هذه الظاهرة بين مَن يراها عارضاً مؤقتاً، ومَن يحذّر من تداعياتها على النسيج المجتمعي.
وفي أحدث الوقائع المتصلة بجرائم الأقارب المروّعة، أعلن جهاز البحث الجنائي الساحل التابع لفرع المرج (شرق) في 11 يونيو/ حزيران الجاري، العثور على رفات شاب ثلاثيني داخل مزرعة مهجورة بمنطقة بطة، بعد تسعة أعوامٍ على اختفائه، واعترفت شقيقاته خلال التحقيقات بقتله ولفّه وحرق جثمانه ثم دفنه داخل المزرعة التابعة للعائلة بسبب خلافات أسرية.
وفي مطلع يونيو الجاري، كشف الجهاز ذاته جريمة أخرى تعود وقائعها إلى عام 2014، بعدما قادت التحقيقات إلى فكّ لغز جثة عثر عليها بعدما أزالت السيول التراب الذي كان يغطّيها، وذلك نتيجة الإعصار دانيال في مدينة درنة (شمال شرق)، في عام 2023.
وأظهرت التحقيقات التي دامت فترة طويلة، أنّ عم الضحية شارك مع آخرين من أقاربه في قتله نتيجة خلافات بينهم، قبل أن يلفّ الجثة بقماشٍ ويحرقها لإخفاء ملامحها ويدفنها.
وفي غرب البلاد، حقّقت مديرية أمن الزاوية، نهاية إبريل/ نيسان الماضي، في حادثة مقتل شقيقتين بطلقاتٍ نارية قبل أن يجري التعرّف إلى قاتلهما، وهو شقيقهما الذي استعان بأشخاصٍ إضافيين لتنفيذ الجريمة، فيما ذكر أنّه كان يسعى إلى الحصول على أموال شقيقتَيه اللّتين رفضتا هذا.
وفي إبريل أيضاً، ألقت وحدة أمنية تابعة لمديرية أمن بلدية أبو سليم، جنوبي العاصمة، القبض على ثلاثة أشقاء على خلفية الاشتباه بتورّطهم في مقتل إحدى قريباتهم بعد سقوطها من الطابق الثاني للعمارة السكنية التي كانت تقطنها.
تُضاف هذه الوقائع إلى سلسلة من جرائم الأسر والأقارب التي شهدتها ليبيا خلال الأعوام الماضية، أشهرها حادثة الأب الذي أقدم في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي على قتل أبنائه السبعة في مدينة بنغازي (شمال شرق)، قبل أن ينتحر.
وكذلك في الفترة ذاتها، أقدمت زوجة على قتل زوجها في مدينة ترهونة (شمال غرب)، إثر خلافات بينهما، ما يعكس اتّساع نطاق العنف الأسري في ليبيا، وتعدّد أسبابه.
وفيما يعتبر الضابط في مركز شرطة وسط المدينة بالعاصمة طرابلس يوسف عبد العالي أنّ جرائم العنف الأسري من الجرائم المعتادة في المجتمعات، يشير إلى أنّ مراكز الشرطة كانت تتلقى منذ عقودٍ بلاغات حول حوادث قتل وسرقات وغيرها من الجرائم.
ويوضح عبد العالي لـ" العربي الجديد" أنّ الأسباب التي تؤدّي إلى الجرائم بشكل عام هي ذاتها التي تقف خلف جرائم الأسر أو الأقارب، وأنّه ما من مُسمّى قانوني لجرائم الأقارب.
ويحذّر أساتذة في علم اجتماع الأسرة من تداعيات هذه الجرائم على نسيج المجتمع الليبي، رابطين بعض أسبابها بالخلاف على الميراث، وعدم الثقة بالقضاء، وكذلك الإدمان أو الظلم الأسري وغيره من أشكال العنف.
وترى الأكاديمية وأستاذة الخدمة الاجتماعية إنعام بوغالية أنّ" عدم وجود مُسمّى خاص بجرائم القتل الأسري في التشريعات الليبية هو دليل على حداثة الظاهرة، ما يدفعنا إلى الرصد والبحث عن أسبابه داخل الأسر".
وتوضح بوغالية لـ" العربي الجديد" أنّ الجرائم المتعلقة بخلافات الميراث تُعدّ من الجرائم القديمة، لكنّها كانت تُحسم عبر اللجوء إلى مراكز الشرطة والقضاء.
واليوم، مع استخدام السلاح والقتل، فإنّ ذلك يدعونا إلى التفكير بأنّ ثقة أفراد المجتمع في القانون والقضاء قد تراجعت".
وتتحدث بوغالية عن اختلاف أساليب الحسم في قضايا كثيرة، حيث كانت الأسر في ليبيا تلجأ إلى الأعراف والوساطات الاجتماعية، بينما يدلّ العنف اليوم على تراجع القدرة على احتواء الخلافات الأسرية التي باتت تصل إلى حد الانفجار، ما يستدعي التفكير في انحسار القيم المجتمعية التي كانت تعزّز الردع الاجتماعي والاحتكام للأعراف.
وفيما تعتبر بوغالية أنّ أسباب جرائم القتل داخل الأسر قد ترتبط في بعض الأحيان بالإدمان وغيره، تؤكد أنّ" الأسر تبقى في الحقيقة مغلقة جدّاً، حتى أنّ مشاعر الظلم والقهر والخلافات تتراكم، فتنفجر على شكل جرائم"، وتلفت إلى أنّ إخفاء بعض المتورّطين ضحاياهم لا يرتبط بالخوف من وصمة العار، بقدر ما هو خوف من القضاء والسجون".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك