في أيّ مجتمع طبيعي، إذا وقعت جريمةٌ فالسؤال هو: مَن فعلها؟ ليُعاقَب، ولماذا حدثت؟ لدراسة الأسباب وتجاوزها، ومن ثمّ ضمان عدم تكرارها أو تحجيمها.
أمّا في المجتمعات المريضة، فالسؤال هو: مَن تجرّأ وتكلّم وكشف الجريمة وأساء إلى سمعة المجرمين؟قبل أيّام، روت الطبيبة والمخرجة الشابّة أمنية سويدان شهادتها عن انتهاكات جنسية وبدنية تتعرّض لها نساء في مستشفيات حكومية في مصر، وهي جرائم من شأنها أن تحرّك أيّ مجتمع نحو المساءلة، وتحرّك أيّ دولة (أو شبه دولة) نحو التحقيق، وهكذا كان.
جاء التحقيق فعلاً، وبسرعة، ولكن ليس في شهادة الطبيبة بل معها، ليس لأنّها شاركت في جريمة، بل لأنّها كشفتها.
ووجّهت إليها النيابة تهمة" نشر أخبار كاذبة"، واحتجزتها، ثمّ أحالتها إلى المحاكمة، بينما تكفّل إعلام السلطة بوصمها بـ" المرض النفسي".
بعد هذه الواقعة بأيّام، ماتت بائعة شاي تحت عجلات سيارة في حدائق الأهرام في القاهرة.
في رواية: كانت السيارة تقودها مراهقة، وفي رواية أخرى: كان يقود السيارة مراهق تجلس في جواره مراهقة.
امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بروايات متضاربة وشهادات متعارضة، وجاء والد الفتاة، بعد مكالمة من ابنته، وقال أمام شهود الجريمة ووفق روايتهم: " كلّ مشكلة ولها حلّ".
هكذا كان تقدير الوالد (غير المراهق) لجريمة ابنته أو صاحبها: مجرّد مشكلة، لها حلّ، وغالباً بـ" الفلوس".
أمّا الضحية، فلم يلتفت إليها" الرجل الكبير".
والسؤال رقم صفر ليس: من فعلها، المراهق أم المراهقة؟ أم من اشترى لهما، بفلوسه، أداة الجريمة؟ السؤال: هل يجرؤ أحد من الشهود أن يشهد بما رأى فعلاً؟لو رأى أحدهم ابن (أو ابنة) الرجل القوي الثري وهو يقود السيارة، فقتل امرأةً فقيرةً، ثمّ جاء الكبار ليحوّلوا الدم إلى مشكلة قابلة للحلّ، فهل يجرؤ هذا الشاهد أن يتكلّم؟ أن يفتح فمه؟ أن يقول: رأيت، بعد أن رأى ما حدث لأمنية سويدان؟ في دولة القانون، الشاهد هو أقوى شخص في القضية، لأنّه يحمل أوّل خيط يقود إلى العدالة.
أمّا في مصر، فالشاهد قد يكون الأضعف إذا كان الوحيد الذي لا يملك ثروةً أو نفوذاً أو ظهيراً يحميه.
في ثلاثينيات القرن الماضي، مات ملايين الأوكرانيين في المجاعة السوفييتية، وخرج صحافي ويلزي شابّ اسمه غاريث جونز ليروي ما رآه بعينيه.
رأى الجوع، ورأى الجثث، ورأى القرى وهي تموت ببطء، فكتب شهادته.
وكانت النتيجة تعرّضه لحملة تشويه شرسة قادتها السلطات السوفييتية وبعض الصحافيين الغربيين في موسكو، اتُّهم بنشر أخبار كاذبة، وتعمّد إثارة البلبلة، وخدمة أجندات معادية.
وفي المقابل، كان صحافي آخر اسمه والتر دورانتي ينكر المجاعة، ويهوّن منها، ويصفها بغير حقيقتها، فنال الشهرة والجوائز العالمية والنفوذ.
لسنا، هنا والآن في مصر، أمام انتصار القوي على الضعيف، أو الغنيّ على الفقير فحسب.
نحن أمام بنية كاملة من الظلم يصبح فيها العدل فعلاً مجرّماً وغير وطني.
دولة بنيتها الظلم، وقوانينها الظلم، وأمنها واستقرارها الظلم، ومصدر شرعيتها وبقائها واستمرارها هو الظلم.
هذه هي الدولة التي حوّلت طبقة الحكم إلى مجرمين مرّتَين: مرّةً حين وفّرت المناخ السياسي الذي يرى في جريمة القتل مجرّد مشكلة لها حلّ إذا ارتكبها الأغنى والأقوى، وأخرى حين وفّرت المناخ الاقتصادي الذي يجعل من كلّ شيء سلعةً قابلةً للشراء، حتّى حيوات البشر التي تدهسها عربات المراهقين، طالما أنّ الداهس يدفع للدولة قبل المدهوس أو من دونه.
يتساءل عبد الفتّاح السيسي في" إفطار الأسرة المصرية" أخيراً: لماذا لا تجد مشكلاتنا حلّاً؟ (ما بتتحلّش ليه؟ )، ذلك لأنّ الحل يبدأ باكتشاف المشكلة.
واكتشافها، ومن ثمّ الاعتراف بها، يحتاج إلى شاهد يشير إلى مواضع الخلل.
فإذا كانت الشهادة جريمةً، والشاهد مداناً، والسكوت حكمةً، و" الطرمخة" وطنيةً، فمن أين يأتي الحلّ؟في الإسلام، من يكتم الشهادة" فإنّه آثم قلبه".
وفي مصر الآن: من يشهد بما رأى فإنّه مختلّ عقلياً.
أمّا من يكتمها، فإنّه" وطني".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك