لا نكاد نجد في تاريخ سورية المعاصر استقلالاً لرأس المال عن السلطة، إذ ظلّ يدور في فلك الدولة.
ولم تؤدّ تحوّلات الاقتصاد السوري إلى توفير حياة سياسية أكثر حرّية، ولا إلى مؤسّساتٍ ديمقراطية، كما تفترض نظريات تربط بين السوق والليبرالية السياسية.
فالطبقتان التجارية والصناعية التقليديتان، اللتان تمركزتا في دمشق وحلب ومدن أخرى، وعلى الرغم من عدم امتلاكهما نموذجاً ديمقراطياً حديثاً، تمتّعتا بقدر من الاستقلال عن الدولة، قبل مرحلة" البعث"، مكّنهما من المشاركة في الحياة العامّة، فلم يكن المجال العام مُحتكراً بالكامل للسلطة، على الرغم من عدم استقرار التجربة السياسية.
ومع التأميم والإصلاح الزراعي، بوصفهما ركنين من عملية أوسع أرادت تفكيك مراكز القوّة التقليدية وإعادة تشكيل المجتمع، انتقلت الثروات والنفوذ إلى الدولة التي أصبحت الفاعل الاقتصادي الأوّل، وأصبحت السوق امتداداً للسياسة.
تراجع الخطاب الاشتراكي المتشدّد مع حافظ الأسد، وبُنيت تفاهماتٌ مع رجال أعمال على قاعدة القبول بحظر الاستقلال السياسي شرطاً للربح الممكن، فاستبدل رجال الأعمال علاقات الوساطة والحماية بالتنافس.
تأسّس مع بشّار الأسد نموذج مغاير، فشهدنا المصارف الخاصّة وشركات الاتصال، ونقاشاً عن اقتصاد السوق الاجتماعي والاستثمار والانفتاح، ولم تكن نتيجة ذلك سيراً في طريق اقتصاد حرّ بقدر ما كرّس" رأسمالية المحاسيب": الثروة في أيدي حلقة ضيّقة من رجال أعمال ارتبطوا مباشرةً بمراكز القرار السياسي والأمني، ولم تكن هناك برجوازية تحتاج إلى ديمقراطية توفّر بيئة قانونية لأعمالها، كان يكفي لشبكة المصالح أن تعتمد في استمرارها على قربها من السلطة، ولم تنتج الخصخصة السورية أيّ ليبرالية سياسية، وكانت مصلحة القطاع الخاصّ استمرار الامتيازات والاحتكارات.
حين اندلعت الثورة السورية (2011)، تبيّن أنّ القسم الأكبر من كبار المستفيدين من الانفتاح الاقتصادي، من جميع الطوائف، كانوا جزءاً من النظام نفسه، لا قوّةً اجتماعية مستقلّة، أو كانت لهم مصلحة في بقائه.
اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، يستمرّ الحديث عن الاستثمار، وجذب رؤوس الأموال، وإعادة الإعمار، وتقليص دور الدولة في قطاعات معيّنة، ما أوحى بتوجّهات نحو الاقتصاد الحرّ، إلا أنّ ما يتّضح أكثر في هذه" المرحلة الانتقالية" إعادة إنتاج طبقة اقتصادية تستمدّ نفوذها من قربها من مراكز القرار أكثر ممّا تستمدّه من السوق في ما يمكن تسميتها" رأسمالية السلطة"، وأنّ العلاقة بين المال والسلطة لا تزال علاقة تبادل مصالح: تمنح السلطة فرصاً للاستثمار والامتيازات، بينما يحصل النظام السياسي على الدعم المالي والسياسي والاجتماعي.
وليست مشكلة أن يكون هناك رجال أعمال مقرّبون من السلطة، فهي ظاهرة موجودة في معظم النظم السياسية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح القرب من السلطة شرطاً وحيداً للنجاح الاقتصادي، فلا يحتاج المستثمر إلى فضاء منافسة مستقلّ أو مؤسّسات متماسكة، طالما أنّ مصدر الربح هو النفوذ.
وتبيّن المؤشّرات الراهنة في سورية أنّ كثيراً من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية تُطرح في إطار شبكات علاقات سياسية وأمنية وإدارية تشكّلت حديثاً في غياب مؤسّسات منتخبة ورقابة برلمانية فعّالة وقضاء مستقل، ما يعني صعوبة التمييز بين الاستثمار الطبيعي وتوزيع الامتيازات.
الاعتماد على الخصخصة بحجّة تأسيس اقتصاد أكثر كفاءة يؤدّي أيضاً إلى تكريس احتكارات جديدة، وإن خلقت الخصخصة طبقةً وسطى مستقلّة فإنّها تخلق أيضاً طبقة أوليغارشية.
لن يتحقّق الهدف النهائي بالتعويل على السوق في إهمال متعمّد لطبيعة المؤسّسات القائمة.
ففي الوقت الذي تحتاج فيه الديمقراطية إلى صناديق اقتراع، تحتاج أيضاً إلى قوى اقتصادية مستقلّة عن السلطة تكون مصلحتها الحفاظ على القوانين أكثر من حرصها على امتيازاتها، ولا يعني منطق حرّية السوق تحويل الدولة إلى أداة تخدم فئةً اقتصاديةً بعينها، ولا تكريس" رأسمالية السلطة" التي تعيد إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة، وإلا بقي رأس المال امتداداً للنفوذ السياسي لا أداةً للتنمية، فهناك فرق بين حماية الاستثمار وحماية المستثمر، ولن يكون مستغرباً أن يُعدّ كلّ اعتراض على مشروع ما، أو التحقيق في شبهة فساد ما، استهدافاً للاستثمار أو تهديداً للاستقرار السياسي، وهذا إعلان صارخ بأنّ المؤسّسات فقدت استقلالها وأصبحت مجرّد أدوات لحماية النفوذ لا لإنفاذ القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك