تظهر بين حين وآخر دعوات تطالب السوريين العلويين بتقديم اعتذار جماعي عن جرائم نظام الأسد، وكأنّ الطريق إلى العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يمرّ عبر هذا الاعتذار حصراً.
يستند أصحاب هذه الدعوات إلى فكرة تبدو للوهلة الأولى معقولةً ومشروعةً و" بنت حلال"، أنّ التداخل الطويل بين النظام والطائفة يفرض نوعاً من الاعتراف الجماعي بالماضي.
غير أنّ هذه المقاربة تستحقّ نقاشاً أوسع من الإحصاءات الرياضية الصمّاء التي يجرونها عن نسب وجود أبناء الساحل من السوريين العلويين في مؤسّسات الدولة، ويتوصّلون، بحسب منطق الإحصاء الرياضي هذا، إلى أنّهم (وحدهم، من عهد الأسد الأب إلى الابن) المسؤولون عن مقتل الشهداء السوريين الذين لا توجد لهم أعداد دقيقة، ولم تحاول جهة مسؤولة أن توقف بازار الأعداد والمتاجرة بآلام أهالي الشهداء، وهو أمر يبدو بلا نهاية.
بدايةً، لا يستطيع أحد إنكار حجم المأساة السورية التي أصابت المكوّن الأكبر بالتأكيد، وهم" السوريون المسلمون السنّة"، إضافة إلى التضحيات التي قدّموها ومن أجل جميع السوريين الذين، بشكل أو بآخر، فقدوا عزيزاً أو منزلاً أو عملاً، وهنا تحديداً، يجب التخلّص من هذه الطريقة التي تُفهم بها المسؤولية اليوم، لأنّها بدايةً لن تجلب حقّاً لأحد، كما أنّها ستؤثّر في طبيعة المجتمع الذي سيُبنى غداً.
الإشكالية الأولى عند محاولة ترجمة فكرة الاعتذار إلى واقع.
فإذا قيل إنّ جماعة ما (العلويين مثلاً) مطالبة بالاعتذار، فكيف سيكون هذا الاعتذار؟ ومن الذي يملك حقّ التحدّث باسم الجماعة؟ ومن الذي يحدّد مضمون هذا الاعتذار وحدوده؟ فداخل أيّ جماعة توجد تجارب متباينة ومواقع مختلفة؛ فيها مَن أيد السلطة ومن عارضها، ومَن انتفع منها ومَن تضرّر بسببها.
وهل المُطالِبون بهذا الاعتذار مقتنعون بأنّ جميع السوريين العلويين يمتلكون ضميراً واحداً وسيرة ذاتية واحدة؟ ومَن بنى فكرة المسؤولية الجماعية بناءً على الإحصاءات إيّاها، فهل أجرى الإحصاءات نفسها لمعرفة نسبة العلويين في المعارضة السورية للأسد الأب والابن منذ خمسين سنة؟ فليفعلوا هذا، ثمّ ليخبروني تحديداً عن ماذا يجب أن أعتذر، وليخبروا عبد العزيز الخيّر أيضاً، وعائلته معه، وغيرهم.
وفوق ذلك، التركيز على الاعتذار قد يحجب سؤالاً أكثر أهمّيةً يتعلّق بجدوى الاعتذار نفسه؛ فالسوريون جميعاً لا يعانون من أزمة ذاكرة فقط، وإنّما أكثر من أزمة ثقة أيضاً.
والأسى الذي يسكن أهالي الشهداء لا يرتبط فقط بالاعتراف بما جرى، بقدر ما يرتبط بالاطمئنان إلى أنّه لن يتكرّر.
وقبل هذا وذاك، يرتبط بمحاكمة المجرمين وإنزال العقوبة بهم، وهذا لا يتحقّق إلّا عبر العدالة الانتقالية والمحاسبة، وإصلاح المؤسّسات وضمان المساواة أمام القانون.
الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها، والمجتمع الذي يخاف أفراده بعضهم بعضاً، فإنّ أيّ اعتذار، مهما كانت قيمته المعنوية، لن يقوّيهم ولن يحلّ مشكلاتهم.
وثمّة مفارقة، فعلى الرغم من أنّ دعواتٍ كثيرة إلى الاعتذار الجماعي تنطلق من رغبة صادقة في تجاوز الطائفية، ومن محاولة بعض طيّبي النيّة العثور على طريقة لحماية السوريين العلويين من مخاطر غياب العدالة الانتقالية، فإنّها قد تنتهي إلى تثبيت المنطق الطائفي نفسه.
وبدلاً من الانتقال من منطق الجماعات إلى منطق المواطنين، قد نجد أنفسنا نعيد تعريف الأفراد من خلال الجماعات التي ينتمون إليها، حتّى عندما يكون الهدف المُعلَن تجاوز هذا التصنيف.
ربّما المشكلة أنّ الجدل بشأن طلب الاعتذار الجماعي من العلويين لبقية السوريين يفترض ضمناً أنّ مشكلة السوريين هي البحث عن اعتذار السوريين العلويين واعترافهم الأخلاقي بالمسؤولية، بينما المطلوب أعمق من هذا بكثير.
فالسوريون لن يتصالحوا عندما يعثرون على كلمات اعتذار مناسبة، ولا حتّى إذا وقف جميع العلويين، رجالاً وأطفالاً ونساء وشيوخاً، في الشوارع يصيحون بالاعتذار كما يطالب بعضهم، وإنّما عندما تُبنى قواعد جديدة للعيش المشترك.
لم تُبنَ المجتمعات ولم تنجح التسويات الكبرى في التاريخ بسبب اعتذار قُدِّم أو لم يُقدَّم، وإنّما لأنّ الدول أقامت مؤسّسات قادرة على حماية الحقوق، ومنعت عودة المجازر وقتل المدنيين، وأقنعت الناس بأنّ مستقبلهم لن يكون امتداداً لماضيهم.
ولهذا، ليس السؤال الأكثر أهمّيةً اليوم: من يجب أن يعتذر، وما الصيغة التي ينبغي أن يكون عليها الاعتذار؟ وإنّما كيفية معاقبة القتلة وإنصاف الضحايا وجبر ضرر أهاليهم وتخليد ذكراهم، فيصبح الاعتذار والنقاش حوله، إن حدثا، مسألتين ثانويتين أمام ضمان العدالة والمواطنة المتساوية للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك