في أكتوبر 2025 أصدر فريق مراقبة العقوبات المتعدد الأطراف، وهو تحالف يضم 11 دولة تشكَّل في عام 2024، ليحل محل لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بكوريا الشمالية، ولم يعد موجوداً، تقريره الثاني الذي يوضح بالتفصيل كيف تمول بيونغ يانغ برامج أسلحتها، من خلال السرقة الإلكترونية والاحتيال الذي يرتكبه العاملون في مجال تكنولوجيا المعلومات.
وقدّر الفريق أن كوريا الشمالية سرقت نحو 1.
6 مليار دولار من العملات المشفرة في عام 2025 وحده.
ويعود سبب وجود هذا التحالف في المقام الأول إلى انهيار هيئة الرصد التابعة للأمم المتحدة نفسها، ففي عام 2024 استخدمت روسيا حق النقض ضد تجديد ولاية لجنة الخبراء، ما أنهى الإجماع العالمي بشأن العقوبات الذي كان يحكم ملف كوريا الشمالية منذ عام 2006.
وكان فريق لجنة الخبراء يقدم تقاريره إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويتمتع بسلطة تفويض عالمي، أما فريق مراقبة العقوبات المتعدد الأطراف فهو تحالف طوعي من الدول ذات التوجهات المماثلة التي يمكنها التحقيق ونشر النتائج، لكنها لا تستطيع إلزام الحكومات التي ترفض المشاركة.
وروسيا والصين، اللتان لم تعودا ضمن هيئة الرصد، تعارضان الآن نتائج الفريق من الخارج.
وبالنسبة للدول التي تميل إلى التجارة مع كوريا الشمالية أو تتسامح معها بصمت، فإن الفرق بين تفويض من مجلس الأمن الدولي وبيان صادر عن التحالف هو الفرق بين الالتزام والرأي.
وطلب أعضاء فريق مراقبة العقوبات المتعدد الأطراف، أنفسهم، من مجلس الأمن الدولي إعادة تشكيل لجنة فريق الخبراء، بالشكل الذي كان عليه من قبل، وهو اعتراف ضمني بأن التوثيق، مهما كان شاملاً، لا يرقى إلى مستوى الإنفاذ العالمي.
وناقش المحللون بعمق تداعيات انتهاء «مبدأ المسؤولية»، لكن في حين أن انتهاء المساءلة الدولية يستقطب الاهتمام، هناك جهد موازٍ من جانب بيونغ يانغ لتغيير الطريقة التي يفهم بها العالم تصرفات كوريا الشمالية.
وتجرى هذه الحملة باللغة الكورية، من خلال القوانين ووسائل الإعلام الحكومية التي تشكل المرجع الرسمي للنظام.
وغالباً ما تضيع هذه الفروق الدقيقة في الملخصات الإنجليزية التي يقرأها معظم المحللين الأجانب فعلياً.
في سبتمبر 2022، قننت الجمعية الشعبية العليا وضع كوريا الشمالية كدولة حائزة الأسلحة النووية، ووصفت البرنامج بأنه عنصر دائم في الأمن القومي وليس ورقة مساومة.
جدير بالذكر أن إقرار هذا القانون أصبح ممكناً بفضل تحول دبلوماسي، وهو استخدام روسيا والصين حق النقض في مايو 2022 ضد قرار عقوبات صاغته الولايات المتحدة.
وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها عرقلة محاولة لمجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على كوريا الشمالية، منذ تمرير أول قرار من هذا النوع في عام 2006، وقد أنهت نحو عقدين من التوافق بين القوى العظمى.
وبعد عامين شكل حل لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بكوريا الشمالية، وتعميق الشراكة بين بيونغ يانغ وروسيا، نهاية لنحو عقدين من التوافق بين القوى العظمى بشأن معارضة برنامج كوريا الشمالية النووي.
ومع تلاشي الضغط الدولي، صعدت كوريا الشمالية جهودها الخطابية لتصوير برنامجها النووي على أنه مبرر وضروري.
وتُظهر ثلاثة مصطلحات تتكرر عبر وسائل إعلامها الرسمية، أن هذه الحملة جارية على قدم وساق.
أولاً، تصف كوريا الشمالية نفسها بشكل متزايد بأنها «دولة حائزة الأسلحة النووية المسؤولة».
وعادة ما تُترجم وسائل الإعلام الإنجليزية هذه العبارة إلى «دولة حائزة الأسلحة النووية» أو «قوة نووية»، متجاهلة صفة «المسؤولة»، وهذا يؤدي إلى محو المعنى الذي تقصده بيونغ يانغ.
ويستعير مصطلح «المسؤولة» عمداً المفردات التي تستخدمها القوى النووية الراسخة عند الحديث عن ترساناتها، ويضع استخدام هذا المصطلح كوريا الشمالية ليس في موقع دولة مارقة تنشر الأسلحة النووية، بل كدولة نووية تقبل الوضع الراهن وتستحق معاملة مماثلة.
ولا تعترف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بالدول النووية المتأخرة، لذا فإن مصطلح «المسؤولة» هو محاولة لخلق مثل هذا الوضع.
وتواصل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية معارضة الوضع النووي لبيونغ يانغ، أما بكين وموسكو (من بين دول أخرى) فقد يمكن إقناعهما بقبول كوريا الشمالية النووية «المسؤولة».
والأهم من ذلك، أن سياسات الصين وروسيا تجاه كوريا الشمالية هي التي تحدد ما إذا كانت العقوبات ستُنفذ عملياً أم لا.
ويعد تتبع الأماكن التي تظهر فيها كلمة «مسؤولة»، وما إذا كانت الردود تقبلها ضمناً أو ترفضها صراحة، مقياساً ملموساً لحملة كوريا الشمالية الرامية إلى تطبيع أوضاعها، وهو ما تخفيه الترجمة الإنجليزية المقتضبة.
أما المصطلح الثاني، وهو «القدرة الرادعة النووية» فإن النصوص الكورية الشمالية تفضله بشكل واضح على المصطلح المحايد «الأسلحة النووية»، في حين أن التغطية الإخبارية باللغة الإنجليزية تستخدم كلا المصطلحين بالتبادل لتعني «الأسلحة النووية» أو «الترسانة» أو «البرنامج».
لكن الاختيار الكوري ينطوي على ادعاء بالشرعية، على الأقل في ما يتعلق بالمصطلحات، فكلمة «الردع» تُظهر القدرة النووية لكوريا الشمالية على أنها دفاعية بطبيعتها، وهو الإطار التبريري نفسه الذي تستخدمه القوى النووية الراسخة لتبرير قدراتها النووية.
هذه النقطة ليست حصرية لكوريا الشمالية، فخطاب الردع عالمي، لكن هذه العبارة تُستخدم الآن بشكل حصري تقريباً من قبل وسائل الإعلام الكورية الشمالية، وتعد زيادة تكرار استخدامها في صحيفة «رودونغ سينمون» مقارنة بالصيغ السابقة والأكثر حياداً، مؤشراً قابلاً للقياس على تطبيع العقيدة منذ إقرار قانون السياسة النووية لعام 2022، ومع ذلك فإن هذا التمييز لا يظهر إلا للقارئ الذي يدرس النصوص الكورية.
وبالنسبة للمصطلح الثالث، تعزو كوريا الشمالية موقفها إلى ما يُترجم إلى الإنجليزية «السياسة العدائية» للولايات المتحدة، ومع أن الترجمة ليست خطأ، فإنها غير كاملة، وتعني الكلمة بالكورية حرفياً «اعتبار أو معاملة كعدو»، وبالتالي فإنها تشير إلى موقف مستمر.
هذا التمييز مهم لأي شخص يقرأ إشارات بيونغ يانغ، فمن خلال تصوير المشكلة على أنها موقف اتجاهي يمكن من حيث المبدأ سحبه، تحافظ كوريا الشمالية على منطق مشروط، حتى في الوقت الذي تُقنن فيه برنامجها الخاص باعتباره دائماً، وتُخفي عبارة «السياسة العدائية» هذا الشرط، وهو بالضبط الثغرة التي يحتاج المحلل الذي يقيّم هامش التفاوض المتاح للنظام إلى رؤيتها.
تأتي هذه المصطلحات مباشرة من وسائل الإعلام الكورية الشمالية المتاحة للجمهور، ومع ذلك فإن المحتوى ذي الأهمية التحليلية في كل حالة، مثل «المسؤولة» و«الردع»، ومسألة الموقف مقابل الفعل، يظل غامضاً في اللغة الإنجليزية.
وبالنظر إلى هذه المصطلحات الثلاثة مجتمعة، فإنها تصف جهداً متعمداً لإعادة صياغة الوضع النووي لكوريا الشمالية من «قابل للتفاوض» إلى «دائم»، ومن «مارق» إلى «مسؤول».
وتعزز هذه المصطلحات بعضها بعضاً، فالدولة «المسؤولة» التي تمارس «قوة ردع» رداً على «معاملتها كعدو» هي صورة ذاتية متماسكة، تم تجميعها بعناية، حيث تدعم كل كلمة الكلمة التي تليها.
عن «ذا دبلومات»عندما كان إجماع مجلس الأمن الدولي سائداً، تمت الإجابة عن السؤال المعياري هل كوريا الشمالية قوة نووية شرعية؟ وذلك من خلال نظام عقوبات موحد تعامَل مع البرنامج على أنه غير قانوني.
ومع انتقال مسؤولية التنفيذ إلى تحالف ترفضه كل من روسيا والصين، أصبحت الإجابة موضع نقاش عملياً، وكوريا الشمالية هي التي تحدد شروط هذا النقاش.
• مع تلاشي الضغط الدولي، صعّدت كوريا الشمالية جهودها الخطابية لتصوير برنامجها النووي على أنه مُبَرَّر وضروري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك