هدّدت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج مصادر رزق ملايين العمال المغتربين في المنطقة، وتحويلاتهم السنوية إلى مواطنهم الأصلية وعائلاتهم، والتي تقدر بحوالي 124 مليار دولار.
وحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ نشرته، أمس الاثنين، فإن الحرب سلّطت الضوء على أحد أكبر ممرات الهجرة في العالم، واختبرت نموذجاً اقتصادياً يعتمد على العمالة الأجنبية بكثافة منذ خمسين عاماً، لإبقاء اقتصاداته قوية قيد التشغيل.
ورغم اعتراض معظم الهجمات الإيرانية، أدت الحرب إلى اضطراب أنشطة الطيران والسفر والسياحة، وإعاقة الصادرات عبر مضيق هرمز، ورفع تكاليف الاستيراد، وإجهاد سلاسل الإمداد.
كما طبّقت بعض الدول إجراءات لمساعدة السكان على تجاوز الأزمة، بما في ذلك تأجيل سداد القروض، لكن انعدام الأمن الوظيفي ارتفع في قطاعات تمتد من الضيافة إلى البناء.
وعادة ما تأتي العمالة المهاجرة في دول الخليج من مناطق ذات دخل أدنى في آسيا وأفريقيا، حيث تصبح تحويلاتهم مصدراً رئيسياً للعيش وتحمّل نفقات الحياة.
وبلغ حجم التحويلات من دول الخليج الست في عام 2024 نحو 124 مليار دولار.
وفي الهند، حيث تمثل الإمارات وحدها نحو خمس التحويلات المالية الواردة، ارتفعت الأموال المرسلة من العمال في الخارج بأكثر من 28% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس/آذار الماضي.
كما سجلت بنغلادش وسريلانكا زيادات مماثلة.
وعلى عكس ما كان متوقعاً، رفضت أغلبية العمالة المهاجرة مغادرة المنطقة رغم أجواء الصراع وزيادة المخاطر، وتقول مصادر مالية لـ" بلومبيرغ" إن الارتفاع الأولي في التحويلات المالية ربما جاء نتيجة عدم اليقين المرتبط بالحرب في المنطقة، إذ سارع المغتربون إلى تحويل الأموال إلى الهند لأغراض الأمان والسيولة وتلبية احتياجات ذويهم.
لكن الارتفاع الأولي لم يكن موحداً بين الدول.
ففي الفيليبين، سجلت التحويلات أبطأ وتيرة نمو لها منذ ما يقرب من أربع سنوات في إبريل/نيسان الماضي، وهو مؤشر مقلق لبلد تمثل فيه هذه التحويلات نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل فيه نحو 2.
4 مليون مواطن في الشرق الأوسط.
وتشير بيانات البنك المركزي الكيني إلى أن التحويلات الخاصة من دول الخليج ارتفعت في مارس مع قيام نحو 500 ألف عامل بإرسال أموالهم إلى الوطن مع بداية الحرب، قبل أن تنخفض بنسبة 18% في إبريل الماضي.
وأصبحت دول الخليج وجهة جاذبة للعمال المهاجرين منذ أكثر من 50 عاماً، عندما أدى ارتفاع مبيعات النفط إلى زيادة إيرادات الحكومات، وبدء إنفاق واسع على البنية التحتية.
ومع صغر حجم القوى العاملة المحلية نسبياً، أدى ذلك إلى طلب مستمر على العمالة الأجنبية استمر مع توسّع الاقتصادات الإقليمية ونمو القطاع الخاص.
وفي السنوات الأخيرة، سعت الدول الغنية بالنفط إلى تنفيذ خطط تنويع طموحة، تهدف إلى بناء أنظمة محلية في مجالات التمويل والتكنولوجيا والرعاية الصحية، وأيضاً الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد.
واعتمد ذلك بدرجة كبيرة على الهجرة.
فقد بنى العمال الأجانب جزءاً كبيراً من البنية التحتية الحديثة في الخليج، ولا يزالون يشكلون أغلبية العاملين في القطاع الخاص في عدة دول من مجلس التعاون.
وتشير" بلومبيرغ" إلى أن أسعار النفط المرتفعة كانت تدعم التوظيف ونمو الأجور في الخليج، لكن هذه المرة جاءت الزيادة المرتبطة بالحرب نتيجة اضطراب الإنتاج، وتضرر البنية التحتية، وعرقلة طرق التجارة، ما حدّ من استفادة العمال، وفق تقرير للبنك الدولي.
ومن المتوقع أن تكثّف حكومات الخليج الاستثمار في إعادة الإعمار، وشبكات اللوجستيات، ومشاريع البنية التحتية التي تهدف إلى توسيع القدرة على تصدير النفط والغاز بعيداً عن هرمز، وهو ما قد يساعد في تخفيف الضغط على أسواق العمل.
ووفقاً لتقرير للأمم المتحدة، فقد أرسل العمال المهاجرون في المنطقة أكثر من خمسة تريليونات دولار إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل خلال العقد الماضي.
وتعد التحويلات مصدراً مهماً للاستهلاك واستقرار أسعار الصرف وتمويل الواردات وتخفيف ضغوط التمويل الخارجي في الدول التي تتلقاها.
وأي اضطراب في هذه التدفقات سيمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من المالية العامة، خصوصاً مع توجه الدول المانحة الكبرى إلى خفض ما تقدمه من معونات في السنوات الأخيرة وتصاعد ضغوط التضخم.
وتتجاوز قيمة التحويلات بالفعل الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية.
وعلى عكس أشكال رأس المال الأخرى، تذهب التحويلات مباشرة إلى الأسر، ما يساعد في تغطية الاحتياجات الأساسية، وفي كثير من الحالات يغيّر حياة الناس.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة ويسترن يونيون، ديفين ماكغرانهان، في أواخر إبريل: " تاريخياً، رأينا أنماطاً مماثلة ثم تعود إلى طبيعتها إذا استمر الصراع لفترة، حيث تقل الهجرة إلى المنطقة وتقل الفرص الاقتصادية، وبالتالي يبدأ إجمالي حجم التحويلات الصادرة في الانكماش".
وتُظهر جنوب آسيا حجم هذه الهشاشة؛ إذ تضم المنطقة نحو تسعة ملايين عامل في الخليج، حوالي 90% منهم من العمالة منخفضة المهارة، ويكسبون عادة أقل مقارنة بالمهاجرين من مناطق أخرى، بحسب باتريك كيربي، كبير الاقتصاديين في البنك الدولي.
وقال" هذا يعني أن لديهم قدرة مالية أقل على امتصاص فقدان الدخل، وأن عائلاتهم في الوطن لديها أقل قدر من المدخرات الاحتياطية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك