أحياناً يمكن أن تدخل بيتاً، فتعرف بسهولة أن يمين الطلاق سيُلقى فور خروجك، أو تدخل قريةً فتشعر أن بإمكان ضربة كفّ أن تتحوّل إلى مجزرة.
الإحساس بتوتر الهواء حاسّة بشرية، مثل التوازن والحرارة والاتجاهات وقراءة الوجوه، ينقصها فقط أن تعدّ ضمن الحواس الخمس، لتكون، مثل ثلاثين حاسّة أخرى، كاملة تؤخذ بجدية.
الطلاق في ذلك البيت لن يحصل لأن الزوجة قالت لزوجها" فشرت"، ولا لأن الزوج نظر إلى جارته، أو شتم حماه، بل لامتداد عدم الرضا وتراكم عناصر الفراق.
ولن تقع المقتلة في القرية لخلافٍ على حدّ الأرض، ولم تبدأ أصلاً في جيل الأحفاد هذا.
مظاهرات المطالبة بمحاسبة الفلول، تتقافز في سورية بين منطقة وأخرى، وكأنها توتر في هواء قرية، تشتدّ حيناً، وتنفعل حيناً آخر، تقترب من خطوط تماسّ طائفية، تطالب بالعدالة، وتستعير هتافات تعاكس العدالة تماماً.
لكنها في المحصّلة تعبير موارب عن أزمات المجتمع والدولة، وعن الفارق الهائل بين ما توقّعه الناس وما حصلوا عليه حقاً، بين حلمهم الكبير واستيقاظهم على الواقع الحقيقي.
والناس التي تريد التعبير عن نفسها، لا تستخدم بالضرورة الكلمات الحقيقية التي تقصدها، لأنّها تعتقد، ربما، أن القول بوضوح: أنا غير راضٍ، قد يعطي نقطة للأعداء المشتركين.
محاسبة مجرمي النظام السابق مطلب حقّ، نبّه إليه كل غيور على سورية منذ اليوم الأول لسقوط النظام، ولم يبق عاقل لم يقل، بطريقةٍ ما، إن تأخير مسار العدالة الانتقالية سيؤدّي إلى انفلات انتقامي، وسيفتح الباب على فوضى تأخذ بطريقها أبرياء ومظلومين، وتخبّئ في داخلها تصفية خلافات شخصية وعشائرية وعائلية، وتعطّل مسار بناء الدولة، ولكنّ تحوّر السعي إلى هذا، وأخذه أشكالاً أخرى، قد ينزلق ويزلق معه المجتمع إلى حفرة العنف، ودوّامة العنف مجّدداً.
وهو ما لا أظن أحداً يريده.
التجمّع والتظاهر، والتعبير في الشارع، لا يتطابق دائماً، وبالضرورة، مع الشعار والعنوان المرفوعين، إذ يمكن لغاضب من فاتورة كهرباء أن يشارك في مظاهرة ترفع شعار حماية ثقب الأوزون، كما كان المعارضون لنظام بشار الأسد قبل الثورة ينظّمون مظاهرات ضد مجلة شارل إبِدّو، أو يعتصمون عند السفارة الليبية.
تتراكم الأحداث، والتغيرات الكمية تتحوّل عند درجة كافية إلى تغيرات نوعية، فلو لم يعتقل فرع الأمن العسكري في درعا مجموعة أطفال ويعذّبهم بسبب عبارات مكتوبة على الجدران، هل كان مسار الأحداث سيتغيّر في سورية؟
بالطبع لا، حتماً كان عنصر مخابرات آخر سيشدّ إمام مسجد في تادف من لحيته، أو يصفع آخر ابن أخ شيخ العكيدات في الرقّة، أو يدوس موظف بلدية في سطل شمندور جاء به فلاح من تلدو ليبيعه عند الساعة القديمة في حمص، أو أي شيء من هذا القبيل، يمكن أن يحصل في أي وقت وفي أي مكان، في بلاد تراكمت فيها عناصر الغضب بفعل الفساد والطغيان.
تلوّي مسارات العدالة، والتأخّر في مواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، سيغيران العلاقة مع الشارع.
وقديماً حوّلت الجدّات شجاراً بين عائلتين متجاورتين، بسبب قطف ولد رمانة من شجرة الجيران، إلى مثل مكثف ودقيق: " القصة مو قصة رمّانة، بسّ القلوب مليانة".
في المستوى اللغوي من صراعات المنطقة وحروبها، كانت الحرب الأهلية اللبنانية الأكثر حظاً، فهي الوحيدة التي عرفت شرارتها باسم: " عين الرمّانة"، رغم أن كل الحروب الأهلية تبدأ من عين الرمّانة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك