يصادف الثالث والعشرون من يونيو/حزيران من كل عام" اليوم الدولي للأرامل"، الذي أقرته الأمم المتحدة للتذكير بمعاناة ملايين النساء حول العالم ممن وجدن أنفسهن، بعد فقدان الشريك، أمام واقع جديد مثقل بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والقانونية.
ورغم أن المناسبة قد تبدو للبعض يوماً رمزياً ضمن قائمة طويلة من الأيام العالمية، فإنها تفتح الباب أمام قضية إنسانية واسعة، تتجاوز حدود الفقد الشخصي إلى أعباء معيشية وقانونية قاسية، خصوصاً في المجتمعات التي تضاعف فيها الحروب والنزاعات هشاشة النساء وتدفعهن إلى مواجهة الحياة وحيدات.
ولا يتعلق الأمر بالحزن الناتج عن الفقد وحده، فالأمم المتحدة تنظر إلى الترمل باعتباره قضية تنموية وحقوقية في آن معا، ففي كثير من المجتمعات لا تفقد المرأة زوجها فقط، بل قد تفقد معه مصدر دخلها، وسكنها، وحمايتها الاجتماعية، وحتى مكانتها داخل الأسرة أو المجتمع.
وتتحول بعض الأرامل خلال أشهر قليلة من شريكات في إدارة الأسرة إلى نساء يواجهن وحدهن مسؤولية إعالة الأطفال وتأمين الاحتياجات الأساسية والدفاع عن حقوق قانونية قد تكون مهددة أو محل نزاع.
وتشير منظمات دولية إلى أن ملايين الأرامل حول العالم يعشن في ظروف معقدة تتداخل فيها عوامل الفقر والتمييز والعنف وضعف الحماية القانونية، وفي مناطق الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية تتضاعف هذه التحديات، حيث تصبح المرأة في كثير من الأحيان المعيل الوحيد للأسرة في بيئة تفتقر أصلاً إلى فرص العمل والدعم والخدمات الأساسية.
ومن هنا جاء تخصيص يوم عالمي للأرامل، ليس بوصفه مناسبة للاحتفاء، بل منصة لتسليط الضوء على واقع غالباً ما يبقى بعيداً عن النقاشات العامة والسياسات الحكومية.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول 2010 قراراً يقضي باعتبار 23 حزيران يوماً دولياً للأرامل، وبدأ إحياؤه رسمياً اعتباراً من عام 2011، وجاء القرار بعد سنوات من حملات ضغط ومناصرة قادتها مؤسسات دولية ومنظمات مجتمع مدني هدفت إلى إبراز معاناة الأرامل باعتبارها قضية مستقلة تستحق الاهتمام.
واختير هذا التاريخ تحديداً لأنه يوافق ذكرى اليوم الذي أصبحت فيه والدة الناشط البريطاني من أصل هندي راج لومبا أرملة عام 1954، وهو الذي أسس لاحقاً مؤسسة خيرية كرست جزءاً كبيراً من نشاطها للدفاع عن حقوق الأرامل حول العالم.
ومنذ ذلك الحين تحرص الأمم المتحدة سنوياً على استخدام المناسبة لتوجيه الأنظار نحو أوضاع النساء اللواتي فقدن أزواجهن، وتأكيد ضرورة إدراج احتياجاتهن ضمن السياسات الاقتصادية والاجتماعية وبرامج التنمية والحماية الاجتماعية.
ويُعد الفقر أحد أكثر التحديات التصاقاً بواقع الأرامل في مختلف أنحاء العالم، فوفاة الزوج قد تعني بالنسبة لكثير من النساء فقدان المصدر الرئيسي للدخل، خصوصاً في المجتمعات التي لا تتمتع فيها المرأة باستقلال اقتصادي كامل أو بفرص متساوية في سوق العمل.
وفي عدد من الدول النامية، تجد الأرامل أنفسهن أمام صعوبات في الوصول إلى القروض والموارد المالية أو في الحصول على فرص عمل مستقرة.
كما تواجه بعضهن عراقيل في امتلاك الأراضي أو إدارة الممتلكات التي كانت مسجلة باسم الزوج المتوفى.
وتحذر تقارير أممية من أن الترمل قد يدفع آلاف النساء سنوياً إلى دائرة الفقر المزمن، خاصة عندما تترافق مسؤوليات الإعالة مع وجود أطفال أو أفراد يحتاجون إلى رعاية خاصة.
وتصبح الأسرة بأكملها معرضة لتراجع مستويات التعليم والصحة والتغذية نتيجة الانخفاض المفاجئ في الدخل.
ولا يقتصر الأمر على فقدان الموارد الاقتصادية، بل يمتد إلى هشاشة اجتماعية تجعل كثيراً من الأرامل أكثر اعتماداً على المساعدات أو الأقارب، ما يحد من استقلاليتهن وقدرتهن على اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهن ومستقبل أسرهن.
إلى جانب الأعباء الاقتصادية والقانونية، تواجه الأرامل تحديات نفسية واجتماعية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة بعد فقدان الزوج، فالحزن الناتج عن الفقد غالباً ما يترافق مع الشعور بالوحدة والقلق والخوف من المستقبل.
وتزداد هذه المشاعر حدة عندما تضطر المرأة إلى تحمل مسؤوليات جديدة لم تكن تقوم بها سابقاً، مثل إعالة الأسرة أو إدارة الشؤون المالية بمفردها.
وفي بعض البيئات الاجتماعية لا تزال الأرملة تواجه أنماطاً من الوصم أو التهميش تجعل اندماجها في المجتمع أكثر صعوبة، وقد تتعرض لضغوط تتعلق بطريقة حياتها أو قراراتها الشخصية أو حتى مشاركتها في الحياة العامة.
ويرى متخصصون في الصحة النفسية أن الدعم الاجتماعي والاقتصادي يلعب دوراً محورياً في تجاوز آثار الترمل، وأن تجاهل الجانب النفسي يحد من فعالية أي برامج تستهدف تحسين أوضاع الأرامل.
في سوريا، اتخذت قضية الأرامل بعداً استثنائياً خلال سنوات الثورة، إذ خلفت الحرب الطويلة وما رافقها من قتل واعتقال وإخفاء قسري ونزوح واسع مئات آلاف النساء اللواتي فقدن أزواجهن، أو ما زلن يجهلن مصيرهم حتى اليوم.
ومع سقوط نظام الأسد ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة، لم تنته معاناة الأرامل السوريات على نحو فوري، إذ لا تزال آلاف النساء يواجهن وحدهن أعباء إعالة أسرهن في ظل ظروف اقتصادية قاسية، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع فرص العمل، إلى جانب احتياجات متزايدة تتعلق بالسكن والتعليم والرعاية الصحية.
وتختصر قصة" أم محمد" جانباً من هذه المعاناة اليومية، إذ تحمل كل صباح كيساً مليئاً بعبوات المحارم الورقية، وتتجول في شوارع بلدتها أرمناز، وأحياناً تنتقل إلى قرى أخرى في ريف إدلب الشمالي، بحثاً عن زبائن يساعدها ما تجنيه منهم على تأمين جزء من قوت يومها.
لا تملك الأرملة السورية البالغة من العمر 48 عاماً عملاً ثابتاً، لذلك اضطرت منذ سنوات إلى العمل كبائعة متجولة، في محاولة لتغطية جزء من احتياجات أسرتها المكونة من ثلاث بنات، أكبرهن تستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة.
لكن معاناة أم محمد بدأت قبل تسع سنوات، حين فقدت زوجها وابنها محمد في يوم واحد، ففي عام 2017، أدى قصف بالطائرات الحربية نفذتها قوات النظام المخلوع على بلدتهم إلى مقتل زوجها وابنها البكر الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره، ومنذ ذلك اليوم، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة مسؤولية إعالة الأسرة وتأمين متطلبات الحياة الأساسية.
وتقول أم محمد لموقع تلفزيون سوريا: " بعد استشهاد زوجي وابني لم يعد لدينا أي مصدر دخل، حاولت أن أعمل بأي شيء أستطيع القيام به، واليوم أبيع المحارم في الشوارع والأسواق، لكن ما أكسبه بالكاد يكفي للطعام، فكيف بإيجار المنزل ومصاريف الدراسة والعلاج؟ ".
وتوضح أن ابنتها الكبرى على أعتاب الثانوية العامة، بينما تتابع شقيقتاها الأصغر تعليمهما، الأمر الذي يزيد من الأعباء الملقاة على عاتقها.
وتضيف: " أحياناً أعود إلى المنزل وقد بعت القليل فقط، فأبقى أفكر طوال الليل كيف سأؤمن إيجار المنزل".
ورغم سقوط النظام الذي تسبب بمأساتها، تقول أم محمد إن معاناة الأرامل لم تنته بعد، وتتابع: " صحيح أن النظام سقط، لكن الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن بسبب القصف ما زلن يعشن الظروف نفسها".
وتناشد أم محمد الجهات الحكومية العمل على تخصيص رواتب أو برامج دعم ثابتة للأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال سنوات الثورة، قائلة: " هناك آلاف النساء مثلي يتحملن مسؤولية أسر كاملة بمفردهن، ونأمل أن يكون هناك راتب شهري أو دعم يساعدنا على العيش بكرامة وتأمين تعليم أولادنا، لأن ما نعانيه اليوم أكبر من قدرة أي امرأة على تحمله وحدها".
ورغم أن الأمم المتحدة تواصل إدراج النساء المتضررات من النزاع، بمن فيهن الأرامل، ضمن برامج المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر، فإن منظمات محلية ودولية ترى أن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر بكثير من الاستجابة المتاحة.
كما أن قضية المفقودين والمخفيين قسراً تبقي آلاف النساء في منطقة رمادية قانونياً واجتماعياً، فلا هن متأكدات من وفاة أزواجهن ولا قادرات على إغلاق ملفاتهم نهائياً.
ولا يبدو أن اليوم الدولي للأرامل يحمل بالنسبة لكثير من السوريات طابعاً احتفالياً بقدر ما يمثل تذكيراً بسنوات طويلة من الفقد والمسؤوليات الثقيلة، فبالنسبة لنساء كثيرات، ما زالت الأولوية تتمثل في تأمين لقمة العيش، والحصول على فرصة عمل، ومعرفة مصير الأزواج الغائبين، أكثر من أي شعارات أو مناسبات رمزية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك