الساعة لم تتجاوز الحادية عشرة صباحا بعد، غير أن درجة الحرارة تكاد تلامس الثلاثين.
في قلب باريس، وتحديدا بمنطقة شاتليه، يبدو المكان على غير عادته.
ليست تلك الساحة التي تعرف ازدحامها الدائم وضجيجها المتواصل، بل مشهد أقرب إلى فراغ ثقيل، كأن المدينة قررت أن تخفف صوتها فجأة وتنسحب إلى ظلها.
اقرأ أيضافرنسا تسجل أشد لياليها حرا على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات المناخية في 1947شوارع شبه خالية، ومقاه أقل حركة، وخطى قليلة تتردد على الأرصفة الساخنة.
وحده عامل نظافة يواصل يومه بدون انقطاع، كأنه آخر شاهد على إيقاع المدينة في لحظة انكسارها أمام الحر.
تحت شمس لاهبة، يلفح القيظ وجه عبد الكريم، رجل ستيني أنهكته ساعات العمل تحت لهيب الشمس، يتراجع قليلا نحو ركن ظليل، يلتقط أنفاسه كما لو أنه يستعيد جزءا صغيرا من طاقته المسروقة، ثم يقول وهو يحاول ترتيب أنفاسه، " بدأنا العمل في الخامسة صباحا حتى نحاول إنهاء مهامنا قبل أن تشتد الحرارة أكثر خلال النهار.
الحرارة اليوم ستبلغ 37 درجة، ومع مرور الوقت يصبح العمل أكثر صعوبة وإرهاقا".
في زمن صار فيه البعض يملك رفاهية الاحتماء من الشمس داخل مكاتب مكيفة أو الهروب نحو الشواطئ أو السفر بعيدا عن لهيب المدينة، يبقى آخرون في مواجهة مباشرة مع القيظ، بلا خيارات حقيقية ولا بدائل تذكر.
فحرارة الصيف هنا ليست مجرد ظرف عابر، بل اختبار يومي يفرض نفسه على أجساد العمال.
وفي هذا السياق، لم تعد هذه المعاناة مجرد انطباع ميداني، بل أصبحت موضوعا يشغل حيزا مهما في التقارير الرسمية الفرنسية الحديثة.
إذ تشير وزارة العمل الفرنسية في تقريرها الصادر شهر مايو/ أيار 2026 إلى أن موجات الحر تحولت إلى" خطر مهني متزايد"، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات الخارجية، مع ارتفاع حوادث الإغماء وفقدان التركيز والحوادث المرتبطة بالآلات، ما دفع إلى تعزيز إجراءات الوقاية ضمن تنظيم العمل أثناء فترات الحرارة الشديدة.
كما تؤكد الإدارة الإقليمية للعمل (DREETS Île-de-France) في تحديثها الصادر في الشهر نفسه أن أرباب العمل باتوا ملزمين قانونيا منذ يوليو/ تموز 2025 بتوفير الماء البارد، وتعديل ساعات العمل، وتقليل التعرض المباشر للشمس خلال الذروة الحرارية، في ظل تمدد موجات الحر من الربيع إلى الخريف.
كما يوضح" دليل الوقاية من العمل في الحر" الصادر عن الإدارة الفرنسية للسلامة المهنية والمحدث في 2026 أن التعرض للحرارة قد يؤدي إلى أعراض تبدأ من الصداع والإرهاق وصولا إلى ضربات الشمس الخطيرة، وأن العمال في الهواء الطلق هم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر بسبب طبيعة العمل المباشر تحت الشمس.
في خضم موجة الحر التي تضرب فرنسا، تبدأ يوميات كثير من العمال قبل أن تشرق الشمس، بحثا عن ساعات أقل قسوة وحرارة أخف وطأة.
ومع ذلك، لا يكفي هذا التبكير لتخفيف العبء عن أجسادهم المنهكة.
وفي قلب العاصمة باريس، حيث لا تتوقف الحركة ولا يهدأ الإيقاع، يعمل صفي الله بستانيا في أحد المقاهي بجادة الشانزليزيه، وسط أجواء خانقة من الرطوبة والحرارة المرتفعة.
يقف بين النباتات وكأنه يحاول إنقاذها من نفس المصير الذي يثقل جسده.
يقول الرجل الأفغاني وهو يمسح العرق عن وجهه: " أتعرق بشكل كبير وأشعر بالإرهاق طوال الوقت، لكن لا خيار لدي، وضعي الاجتماعي والمهني يفرض علي الاستمرار في العمل مهما كانت الظروف.
أحاول فقط أن أتحمل يوما بعد يوم".
أما في قطاع البناء، حيث لا مجال للظل ولا مهرب من الحديد والخرسانة، يصف ألكسندر، عامل بناء جورجي، الوضع بكلمات أكثر حدة: " الحرارة شديدة جدا، والعمل يصبح قاسيا بشكل لا يُحتمل أحيانا.
نحاول التخفيف برش الماء والتبريد قدر الإمكان، واستهلال العمل منذ الساعة السادسة صباحا لنستفيد من برودة الصباح، لكن في النهاية لا خيار لنا سوى المواصلة".
وتوضح الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) في تقريرها الصادر في يونيو/ حزيران 2026 أن غياب تدابير صارمة يجعل آلاف العمال في مواقع البناء يواجهون ظروفا توصف بأنها" غير قابلة للتحمل"، معتبرة أن موجات الحر لم تعد حدثا استثنائيا، بل واقعا بنيويا يعيد تشكيل شروط العمل في فرنسا.
تأهب داخل المؤسسات الصحيةفي خلفية هذا المشهد اليومي، تقف المنظومة الصحية الفرنسية في حالة تأهب.
فحسب مؤسسة مستشفيات باريس (AP-HP) تم تفعيل الدرجة الثالثة من خطة الإنذار المرتبطة بموجة الحر، على مستوى جهة" إيل دو فرانس"، في ظل تزايد الضغط على المستشفيات وارتفاع درجات الحرارة بشكل متواصل.
وتشير المؤسسة إلى سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، تشمل تجهيز فضاءات مبردة داخل المستشفيات ودور رعاية المسنين، مراقبة درجات الحرارة داخل الغرف، وتوسيع استخدام وسائل التبريد مثل المكيفات والمراوح والرشاشات المائية، إضافة إلى تقليل الإضاءة وتحسين التهوية الليلية كلما سمحت الظروف بذلك.
كما تم تعزيز ما يُعرف بـ" المناطق الباردة" لاستقبال المرضى الأكثر هشاشة.
في هذا السياق، تؤكد AP-HP أن أقسام الطوارئ وفرق SAMU الأربعة في حالة تعبئة دائمة، مع مراقبة دقيقة لأي ارتفاع في عدد الحالات المرتبطة بالحرارة، سواء تعلق الأمر بضربات الشمس أو الجفاف أو تفاقم الأمراض المزمنة، مع متابعة يومية لقدرات غرف الإنعاش وعدد الأسرّة المتوفرة.
وتضيف المعطيات الرسمية أن الضغط بدأ يتصاعد منذ بداية الأسبوع، حيث سُجل خلال" ليلة عيد الموسيقى" تدفق استثنائي إلى أقسام الطوارئ، فاق المعدلات المعتادة بمرتين تقريبا.
كما ارتفع نشاط خدمات" SAMU" بأكثر من 30% في عدد الاتصالات مقارنة بالأسبوع السابق، مع زيادة إجمالية تقارب 13% خلال الأسبوع، وارتفاع بنسبة 22% في ملفات التنظيم الطبي مقارنة باليوم نفسه من الأسبوع الماضي.
" أشعر بالاختناق فأبحث عن مكان بارد"وفي أحد أزقة العاصمة الهادئة، يواصل عامل نظافة آخر عمله وسط شوارع تبدو أكثر فراغا من المعتاد، كأن المدينة قد تقلص عدد سكانها في هذا اليوم الحار.
يتوقف يوسف قليلا بين فترات العمل، يلتقط أنفاسه بصبر ويقول: " عدت مؤخرا من العطلة وكنت نادما لأنني لم أمددها أكثر.
على كل حال، عطلة الصيف تقترب.
أحاول أن آخذ استراحات متكررة، وأذهب أحيانا إلى مقهى أو أماكن مكيفة لأستعيد طاقتي، وأشرب مشروبات باردة حتى أتمكن من إكمال اليوم".
على الجهة المقابلة من الشارع، يمر بول، ساعي بريد بالكاد يقوى على دفع عربة الرسائل.
قنينة ماء ومنشفة مبللة، ذاك كل ما يواجه به القيظ، يقر مثل جميع من تحدثنا إليهم بصعوبة العمل في وضع مماثل، ويرجو إعادة النظر في هذه الظروف المهنية، " الأجدر توفير مكفيات أو مراوح صغيرة والتفكير في دراجات هوائية مناسبة".
ومن بين أكثر المهن المعرض أصحابها إلى موجة الحر، عمال التوصيل، إذ يشتغلون طوال اليوم تحت لهيب الشمس الحارقة.
أحمد شاب من ساحل العاج، واحد من هؤلاء، يرابط على دراجته الهوائية أمام محل لبيع الوجبات السريعة في الدائرة الثانية بباريس منتظرا إعداد طلبية لأحد الزبائن، يقول والتعب باد على ملامحه" أشتغل من التاسعة صباحا إلى غاية منتصف الليل تقريبا، لا خيار لدي، فأنا بدون وثائق إقامة وعدم الشغل يعني تلقائيا التشرد وتداعيات قاسية على أسرتي التي أعتبر معيلها الوحيد".
يضيف الشاب الثلاثيني متحدثا عن تداعيات الظروف التي يعمل فيها من يمارس نفس عمله" أحيانا أشعر بالاختناق فأبحث عن مكان ظليل بارد قبل استئناف العمل، لا أريد أن أعيش ما حدث لبعض أصدقائي الذين وجدوا أنفسهم في أقسام الطوارئ والإسعاف بسبب ارتفاع درجات الحرارة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك