فى الوقت الذى تشق فيه شمس القاهرة طريقها للنهار، اكتشفت ومعى ملايين المصريين أننا جميعا ننتظر هذه اللحظات، كانت الصرخة الجماعية احتفالا بالهدف الأول ثم الثانى الذى يحرزه محمد صلاح ليصبح الهداف التاريخى لمصر فى كأس العالم، متجاوزا أسطورة عبدالرحمن فوزى، صاحب هدفى مصر فى كأس العالم 1934، وأول لاعب عربى وأفريقى يسجل فى تاريخ كأس العالم.
بدأت مباراة مصر مع نيوزيلندا على ملعب فانكوفر الكندية، بهدف للمنتخب النيوزيلندى وهو ما بدا حافزا لفريق مصر ليكثف من هجماته وضغوطه وبتمريرة عرضية من محمد هانى وضربة رأس قوية من مصطفى زيكو إلى سقف المرمى، ليسجل هدف التعادل.
ولحظتها اكتشفت صرخة ملايين المصريين تهز كل أركان مصر وتشتعل المدرجات، لتلتقى لحظة فرح جماعى، وفى الدقيقة 68 بتمريرة بالكعب داخل منطقة الجزاء، وصلت إلى محمد صلاح الذى سددها بإتقان ليسجل هدف الفوز.
وقبل ثمانى دقائق من نهاية اللقاء ومن ضربة ركنية من محمد صلاح يسجل تريزيجيه الهدف الثالث لترتفع ثالث صرخات الاحتفال بالفوز، وينضم تريزيجيه ومصطفى زيكو إلى قائمة هدافى مصر عبر التاريخ فى المونديال.
يحق لحسام حسن أن يشعر بالفرح لأنه يقدم هذا الموسم عرضا مختلفا ويحجز المنتخب مقعده فى دور الـ32 ببطولة كأس العالم 2026 بأربع نقاط تقربه من الدور التالى قبل خوض الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات للبقاء فى المونديال، مع جمهور عظيم يساند بكل قلبه فى أمريكا وكندا وكل مكان بجانب العاصمة الجديدة التى تستضيف عشرات الآلاف من الجمهور المتعطش للفوز، والذى ربما يطمح إلى ما هو أكثر من مجرد البقاء لفترة أطول، ويراهن على شكل ومضمون جديد ينتظره اللاعبون المحترفون صلاح ومرموش وعبدالمنعم وعادل وفتحى وربيعة وهيثم ودونجا، وحتى مصطفى محمد الغائب للإصابة، ومع المحترفين حسام حسن وباقى الفريق والفنيين الذين ينتظرون لحظات التشجيع الكبرى، وعندما نقول إنه منتخب صلاح وحسام وأصحابهما، نحن نتحدث عن ملايين المصريين وعشرات ملايين العرب ممن ينتظرون أن يتقدم فريق عربى لأكثر من الأدوار الأولى.
بالأمس كتبت فى هذا المكان قبل المباراة أن هذا الجمهور المصرى الرائع يقدم عروضا عظيمة فى تشجيع ومساندة المنتخب سواء فى استعراضات بسياتل، أو فى «الفان زون بالعاصمة الجديدة» وفى كل مقاهى ونوادى ومراكز وشاشات الشوارع، وهذا الجمهور بالفعل أثمن ما يملك منتخب يراهن على نفسه وقدراته ويستحق المزيد من الثقة بالنفس، ليحقق نتيجة أفضل يتجاوز بها كل العقبات السابقة، ويعيش حلمه مع الجماهير باتجاه صاعد، حلم يجدد فى نفوس المصريين الرغبة فى التواجد بين كبار العالم وإثبات الهوية الكروية المصرية بما يتناسب مع قدرات أفراد متميزين، لأن الإثبات هنا ليس بأفراد متميزين، ولكن بحاصل جمع قدرات لفريق يجمع القدرات الفردية ويصهرها، لتصنع فوزا جماعيا يفوز فيه كل فرد من الفريق، والجمهور.
كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هى مرآة للمجتمعات والشعوب، ظاهرة اجتماعية أكثر تأثيرا وأداة لصناعة الهوية، ومجال تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد بالاجتماع.
كرة القدم تملك قدرة فريدة على توحيد الجمهور فى لحظات الفرح، وتعكس التنافسية الإنسانية فى أبهى صورها، قد تغيب هذه التفاصيل وسط ما يعكسه السطح من بساطة، لكنها تشابكات تتقاطع وتقترب وتبتعد لتعيد بناء المشاعر مع العقل والقلب فى تركيبة معقدة تعكسها بساطة الصراخ فى كل لحظة فوز، وما زال الحلم ممكنا وقائما مستعدا لمزيد من الاحتفال فى مونديال الحلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك