كتب اللواء المتقاعد د.
موسى العجلوني - في لحظة تاريخية تتسم باضطراب غير مسبوق في العلاقات الدولية، وتزايد الحروب والنزاعات، وتصاعد التحديات العابرة للحدود مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأوبئة العالمية والأزمات الإقتصادية، أصدرت الصين كتابها الأبيض بعنوان "بناء نظام حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مفاهيم الصين ومبادراتها وإجراءاتها"، مقدمة بذلك رؤية متكاملة لإصلاح النظام الدولي وإعادة توجيهه نحو قدر أكبر من الأمن والتوازن والعدالة والشراكة.
ولعل أبرز ما يكشفه الكتاب الأبيض أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان النظام الدولي بحاجة إلى إصلاح، بل حول طبيعة هذا الإصلاح وآلياته.
فالتأييد الواسع الذي حظيت به المبادرات الصينية يعكس اتساع دائرة الدول الساعية إلى إعادة صياغة قواعد الحوكمة العالمية بما يتلاءم مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم وتراجع قدرة أي قوة منفردة على إدارة النظام الدولي بمفردها.
لا تكتسب هذه الوثيقة أهميتها من كونها صادرة عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم فحسب، بل لأنها تمثل محاولة جادة للإجابة عن سؤال بات يؤرق البشرية جمعاء: كيف يمكن إدارة عالم متعدد الأقطاب ومتداخل المصالح دون أن ينزلق إلى الفوضى أو الهيمنة أو الصدام؟ تشخيص دقيق لأزمة النظام الدولي ينطلق الكتاب الأبيض من حقيقة باتت واضحة للكثير من دول العالم، وهي أن النظام الدولي الحالي يعاني اختلالات بنيوية عميقة.
فخلال العقود الأخيرة تراجعت فعالية المؤسسات الدولية، واتسعت الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وازدادت ظاهرة توظيف القانون الدولي بصورة انتقائية، كما برزت نزعة متنامية لفرض الإرادات السياسية والاقتصادية والعسكرية من جانب القوى الكبرى على حساب مبدأ العدالة بين الدول.
وقد تفاقمت هذه الاختلالات خلال السنوات الأخيرة بفعل السياسات الأحادية التي تبنتها إدارات أمريكية متعاقبة، ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة خلال حقبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي شهدت انسحابات من اتفاقيات دولية، وتشكيكاً بالمؤسسات والمنظمات الدولية متعددة الأطراف، وفرضاً للعقوبات الاقتصادية خارج إطار الأمم المتحدة، وتراجعاً في الالتزام الجماعي بمعالجة القضايا العالمية المشتركة، والشروع في حروب تهدد السلم والإقتصاد الإقليمي والعالمي.
هذه السياسات ساهمت في إضعاف الثقة بالنظام الدولي، وأعادت إحياء منطق القوة على حساب منطق القانون، الأمر الذي أدى إلى اتساع الشعور العالمي بضرورة إصلاح قواعد الحوكمة الدولية.
خمسة مرتكزات لحوكمة أكثر عدالة يقترح الكتاب الأبيض الصيني خمسة مبادئ أساسية تشكل جوهر رؤيته للحوكمة العالمية، وهي: -المساواة الكاملة في السيادة بين الدول.
-احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
-التعددية الحقيقية في إدارة الشؤون الدولية.
-جعل الإنسان محور السياسات الدولية.
-التركيز على النتائج العملية بدلاً من الشعارات السياسية.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في عالم لا تزال فيه دول كثيرة تشعر بأن مصالحها وأصواتها لا تحظى بالتمثيل العادل داخل المؤسسات الدولية.
الأمم المتحدة.
|.
تمكينها وليس الإستغناء عنها من أبرز ما يميز الطرح الصيني أنه لا يدعو إلى هدم النظام الدولي القائم أو إنشاء مؤسسات موازية له، بل إلى إصلاحه من الداخل وإعادة الاعتبار لدور الأمم المتحدة باعتبارها المؤسسة الأكثر شرعية وتمثيلاً للمجتمع الدولي.
فالوثيقة تؤكد أن الحل لا يكمن في تجاوز الأمم المتحدة، وإنما في تمكينها من أداء دورها الحقيقي بعيداً عن الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأي طرف، وتعزيز قدرتها على معالجة النزاعات والتحديات العالمية وفق قواعد عادلة ومتفق عليها.
التنمية والأمن والحضارة والحوكمة… رؤية متكاملة لا تقتصر الرؤية الصينية على الجانب السياسي فحسب، بل تربط بين أربعة مسارات متكاملة: التنمية من أجل الازدهار، والأمن من أجل الاستقرار، والحضارة من أجل التفاهم والثقة المتبادلة، والحوكمة من أجل العدالة.
وهذه المقاربة الشمولية تبدو أكثر ملاءمة لطبيعة التحديات المعاصرة التي لم تعد قابلة للحل عبر الأدوات التقليدية أو السياسات المنفردة.
فالتغير المناخي لا يمكن أن تعالجه دولة واحدة مهما بلغت قوتها، كما أن الذكاء الاصطناعي يتطلب قواعد دولية مشتركة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا، والأمن السيبراني يحتاج إلى تفاهمات عالمية تمنع تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع مفتوح بين الدول.
ماذا هو مطلوب من الولايات المتحدة؟ إذا كانت الصين قد قدمت رؤيتها لإصلاح الحوكمة العالمية، فإن نجاح هذه الرؤية أو أي رؤية مشابهة يتطلب من الولايات المتحدة مراجعة جادة لدورها الدولي.
فالعالم لا يحتاج إلى هيمنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى شراكة حقيقية بين القوى الكبرى.
والمطلوب من واشنطن أن تتخلى عن منطق "الاستثناء او الإستعلاء الأمريكي" وأن تعود إلى دعم التعددية الدولية واحترام القانون الدولي والالتزام بالاتفاقيات العالمية الخاصة بالمناخ والتجارة والأمن الرقمي والتنمية المستدامة.
كما أن عليها أن تنظر إلى صعود القوى الجديدة باعتباره فرصة لبناء توازن عالمي أكثر استقراراً، لا تهديداً ينبغي مواجهته بسياسات الاحتواء والصدام.
ماذا هو مطلوب من المجتمع الدولي؟ أما على المستوى الدولي، فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب تحديث المؤسسات التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية لتصبح أكثر تعبيراً عن موازين القوى والواقع الديمغرافي والاقتصادي الحالي.
فمجلس الأمن، والمؤسسات المالية الدولية، وآليات صنع القرار العالمي، تحتاج جميعها إلى إصلاحات جوهرية تمنح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة دوراً أكبر في صياغة السياسات الدولية.
كما ينبغي تطوير أطر قانونية دولية جديدة تنظم قضايا الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحيوية، وهي ملفات لم تكن مطروحة عندما وُضعت قواعد النظام الدولي الحالي.
الفرصة العربية عربياً، يحمل الكتاب الأبيض الصيني فرصة مهمة يجب عدم تجاهلها.
فالدول العربية تقع في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والموقع الاستراتيجي ما يؤهلها لتكون شريكاً مؤثراً في تشكيل النظام الدولي الجديد.
ومن هنا فإن المطلوب عربياً لا يقتصر على متابعة هذه التحولات، بل المشاركة الفاعلة فيها من خلال بناء مواقف جماعية أكثر تنسيقاً داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، وتعزيز التعاون مع مختلف القوى الدولية، والاستثمار في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والأمن السيبراني.
كما أن العالم العربي معني أكثر من غيره بالدفاع عن مبادئ العدالة الدولية وسيادة القانون ورفض ازدواجية المعايير، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات مزمنة كشفت حدود النظام الدولي الحالي وعجزه عن تطبيق معايير موحدة على الجميع.
الأردن والقضية الفلسطينية… اختبار حقيقي للحوكمة العادلة بالنسبة للأردن، فإن ما يطرحه الكتاب الأبيض الصيني يتقاطع مع ثوابت السياسة الأردنية القائمة على احترام القانون الدولي، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز دور الأمم المتحدة، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع.
كما أن الدعوة إلى تعددية أكثر توازناً في النظام الدولي تمنح الدول صغيرة الحجم، مثل الأردن، مساحة أوسع للدفاع عن مصالحها والمشاركة في صناعة القرار الدولي.
أما على صعيد القضية الفلسطينية، فإنها تمثل الاختبار الأكثر حساسية لأي مشروع يدعو إلى حوكمة عالمية عادلة.
فواحدة من أبرز التشوهات التي أصابت النظام الدولي خلال العقود الماضية تمثلت في العجز عن تطبيق قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق الفلسطينية بالقدر نفسه الذي طُبقت فيه على قضايا أخرى.
ومن هنا فإن نجاح أي إصلاح للحوكمة العالمية يفترض إنهاء ازدواجية المعايير، وضمان احترام قرارات الشرعية الدولية، وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
كما أن منح دول الجنوب العالمي دوراً أكبر في مؤسسات صنع القرار الدولي قد يسهم في تحقيق توازن أكبر داخل المنظومة الدولية، بما يعزز فرص الوصول إلى سلام عادل ومستدام في المنطقة يقوم على الحقوق لا على موازين القوة وحدها.
نحو عالم أكثر توازناً قد يختلف البعض مع بعض جوانب الرؤية الصينية أو يشكك في دوافعها، لكن القيمة الحقيقية للكتاب الأبيض تكمن في أنه يفتح نقاشاً ضرورياً حول مستقبل الحوكمة العالمية في مرحلة تشهد انتقالاً تاريخياً من الأحادية القطبية إلى عالم أكثر تعددية.
فالتحديات التي تواجه البشرية اليوم أكبر من أن تعالجها دولة واحدة، وأخطر من أن تترك رهينة لمعادلات القوة التقليدية.
لذلك فإن إعادة هندسة النظام الدولي لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وجودية لضمان الأمن والاستقرار والتنمية للبشرية جمعاء.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمتلك القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، الإرادة الكافية للانتقال من منطق المنافسة الصفرية إلى منطق الشراكة العالمية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة، وربما تحدد أيضاً قدرة البشرية على مواجهة أخطر التحديات التي عرفتها في تاريخها الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك