لم تكد المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا تدخل مرحلتها التقنية، حتى انفجر خلاف جديد بين الطرفين، ليس هذه المرة حول تخصيب اليورانيوم أو العقوبات، بل حول أوجه استخدام 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة التي يفترض الإفراج عنها بموجب الاتفاق الهادف إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
فبينما سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تصوير الإفراج عن الأموال باعتباره جزءاً من صفقة اقتصادية تعود بالنفع على الولايات المتحدة، سارعت طهران إلى نفي وجود أي شروط أو قيود على إنفاق هذه الأموال، مؤكدة أن القرار سيبقى إيرانياً خالصاً.
وكان ترامب قد قال في مقابلة مع شبكة إن بي سي (NBC)، يوم الأحد الماضي، ثم عاد وأكد موقفه الاثنين، إن الأموال الإيرانية التي سيجري بموجب ما أفضت إليه المفاوضات الإفراج عنها، ومن بينها شريحة بقيمة 12 مليار دولار، ينبغي أن تستخدم لشراء منتجات أميركية، ولا سيما المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، مؤكداً أن إيران لن تحصل على الأموال" من دون مقابل"، وأن أي مكاسب اقتصادية من المفاوضات ستظل مرتبطة بالتزامها بالاتفاق.
كما ذهب نائب الرئيس الأميركي وكبير المفاوضين، جي دي فانس، أبعد من ذلك، حين أعلن، الاثنين، أن الإفراج عن الأصول الإيرانية جرى بموافقة أميركية وقطرية، مشيراً إلى أن طهران ستستخدم الأموال في شراء فول الصويا والقمح والذرة الأميركية لصالح الشعب الإيراني.
لكن الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، أنه لا توجد أي قيود على الأصول الإيرانية المجمدة، وأن استخدامها سيحدث بما يخدم مصالح البلاد، مشدداً على أن الوزارات المختصة هي التي تحدد احتياجات الشراء، وفق معايير الجودة والأسعار.
كما كشف بقائي أن الرخص الخاصة ببيع النفط دخلت حيز التنفيذ منذ الاثنين، مؤكداً أن الأموال المفرج عنها أصبحت متاحة لإيران بحرية لتأمين السلع التي تراها ضرورية.
ورداً على سؤال حول آلية إنفاق الأرصدة الإيرانية المجمدة، وما إذا كانت هناك قيود مفروضة عليها، نقل مراسل" العربي الجديد" عن بقائي توضيحه أن طهران ستتخذ قراراتها بشأن أموالها المفرج عنها بما يخدم مصلحة البلاد، مشيراً إلى أن الوزارات المعنية، ومنها وزارة الزراعة، هي التي تحدد أوجه الشراء، بناء على معايير السعر والجودة.
كما أعلن أن التراخيص المتعلقة ببيع النفط دخلت حيز التنفيذ منذ يومين، ومؤكداً أن" الأموال المجمدة أصبحت متاحة لإيران لاستخدامها بحرية لتأمين السلع التي تراها ضرورية".
ومن جنيف، نقلت" فرانس برس" عن سفير إيران لدى الأمم المتحدة، علي بحريني، تأكيده أن بلاده وحدها هي التي ستقرر كيفية التصرف بأصولها بعد رفع التجميد عنها، رافضاً ما وصفه بالمزاعم الأميركية بشأن امتلاك أي طرف آخر حق التأثير في تلك القرارات.
في المقابل، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، وفق ما نقل مراسل" العربي الجديد" في طهران، أن المفاوضات الفنية مع الجانب الأميركي، وبحضور الوسيطين القطري والباكستاني أفضت إلى تفاهم بشأن الإفراج عن 12 مليار دولار على دفعتين متساويتين، بقيمة ستة مليارات دولار لكل منهما، تدخلان حيز التنفيذ فوراً.
وأضاف أن المحادثات التقنية أدت أيضاً إلى إصدار الولايات المتحدة رخصة عامة تسمح ببيع النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية والخدمات المرتبطة بها، مشيراً إلى أن الرخصة نشرت رسمياً على موقع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي" أوفاك".
وفي السياق ذاته، أعلن رئيس هيئة التفاوض الإيرانية، محمد باقر قاليباف، أن الإفراج عن الدفعتين جرى بحثه سابقاً خلال زيارة إلى قطر، بينما جرى التوقيع النهائي خلال محادثات سويسرا.
أما محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، فأكد لوكالة" تسنيم" أن الاتفاق لا يتضمن أي إلزام بشراء مدخلات زراعية من الولايات المتحدة، موضحاً أن الدفعة الأولى البالغة ستة مليارات دولار تستند إلى تفاهم عام 2023 الذي يخصص الأموال للسلع الأساسية والأدوية، بينما يمكن استخدام الأموال المتبقية في شراء سلع أخرى غير خاضعة للعقوبات.
وأشار همتي إلى أن إيران تحتاج سنوياً إلى مليارات الدولارات لتأمين الغذاء والأدوية، وأن الأهم بالنسبة للبنك المركزي هو استعادة موارده الأجنبية المجمّدة، بصرف النظر عن مصدر السلع أو الشركات المورّدة.
وفي السياق، أفادت" بلومبيرغ"، الثلاثاء، بأن الإفراج عن الأموال، إلى جانب تعليق العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، وتعهّد أميركا بالمساهمة في إنشاء صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، أثار انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة، حيث يخشى صقور إيران من استخدام الأموال في إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية ودعم حلفائها الإقليميين، في وقت يواصل فيه الجانبان تقديم روايات متباينة حول ما جرى الاتفاق عليه فعلياً وما بقي قيد التفاوض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك