تواجه التكايا الخيرية في قطاع غزة أزمة كبيرة تهدد استمرار عملها نتيجة تقلص المواد الغذائية واستنزاف المخزون المتوفر، ما أدى إلى إغلاق عدد منها بالفعل، ويتزامن ذلك مع تزايد أعداد المحتاجين وتفاقم معاناة آلاف الأسر الفقيرة والنازحة التي تعتمد على هذه التكايا في الحصول على وجبة يومية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الجوع.
في ساعات الصباح الأولى، تبدأ طوابير طويلة في التشكل أمام أبواب التكايا، يحمل مئات المنتظرين أوانيهم الفارغة على أمل الحصول على وجبة تسد جوع أسرهم، وبينما تكفي الكميات المطهوة لأعداد قليلة، يعود كثيرون من دون الحصول على طعام نتيجة نفاد الوجبات قبل وصول دورهم.
وتعاني التكايا ضغوطاً كبيرة نتيجة ارتفاع أعداد النازحين، واعتماد شريحة واسعة من أهالي غزة عليها في ظل غياب القدرة على شراء الغذاء، أو توفير مستلزمات الطهي.
نزحت الفلسطينية سهير أبو دية (46 سنة) من شمالي القطاع بعدما فقدت أسرتها كل شيء تقريباً، وهي الآن بلا مصدر دخل، ولا تملك مكاناً تطهو فيه الطعام بشكل منتظم، ما جعل التكية الخيرية القريبة هي المطبخ الذي ننتظر منه الوجبات كل يوم، وإذا لم تتمكن من الحصول عليها يضطر أفراد الأسرة إلى النوم جائعين.
وحول إغلاق بعض التكايا، تقول أبو دية لـ" العربي الجديد": " هذا الأمر صعب للغاية، ويشعرنا بالخوف لأننا لا نملك بديلاً.
عندما تغلق تكية أبوابها فإن مئات الأسر تفقد الوجبة اليومية الوحيدة، ونخشى في كل صباح أن نصل إلى المكان فنجد الأبواب مغلقة، أو نفد الطعام.
هذه الأزمة تؤثر على الأطفال أكثر من الكبار، ما يضطرني أحياناً إلى تقسيم الوجبة الواحدة بين عدة أفراد.
أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أستطيع توفير احتياجات الأطفال الأساسية، فالحصول على وجبة يومياً يعد إنجازاً كبيراً".
ومع طول الفترة، لم يعد هدف الكثير من الأسر الفلسطينية الحصول على وجبة متكاملة، بل مجرد تأمين أي طعام يخفف الشعور بالجوع، ما انعكس على طبيعة الوجبات المقدمة التي أصبحت تعتمد على مكونات بسيطة، وتتكون من كميات محدودة.
وتفرض الأزمة تحديات عدة على الأطفال وكبار السن والمرضى، والذين يحتاجون إلى غذاء متوازن لا تستطيع التكايا توفيره في ظل النقص الحاد في مكونات صنع الطعام، كما أن الاعتماد على وجبة يومية واحدة يزيد المخاوف المتعلقة بانتشار سوء التغذية.
من شرق مدينة غزة، تقول النازحة سعاد عوض (32 سنة) إن حياتهم تغيرت منذ الاعتماد على التكايا الخيرية، فبعد أن كانت تعد الطعام لأسرتها بنفسها قبل الحرب، باتت تخرج كل صباح حاملة قدراً صغيرةً كي تنتظر دورها بين مئات النساء، وهي لم تتخيل يوماً أن تصبح وجبة الغداء مرتبطة بطابور طويل، مع احتمال ألا تحصل عليها.
وتخشى عوض أن يتوقف توزيع الطعام، في حين لا تملك أسرتها المال لشراء الغذاء، وتوضح لـ" العربي الجديد": " إذا توقفت التكايا فستواجه آلاف الأسر خطر الجوع الحقيقي.
التكايا ليست مجرد أماكن لتوزيع الطعام، بل هي طوق نجاة للنازحين والفقراء، ونأمل في توفير الدعم اللازم لاستمرارها، لأن وراء كل وجبة تقدمها مصير أسرة كاملة تنتظر منذ ساعات، وأطفال ينامون مطمئنين لأنهم وجدوا ما يأكلونه".
ويصف عاملون في المجال الإغاثي التكايا الخيرية بأنها خط الدفاع الأخير في مواجهة المجاعة، إذ توفر وجبات يومية لآلاف العائلات، رغم أن بعضها لم تعد قادرة على الاستمرار بالوتيرة نفسها بسبب استنزاف مخزونها من المواد الأساسية، الأمر الذي دفع البعض إلى تقليص عدد الوجبات، أو تقليل الكميات، فيما اضطرت تكايا أخرى إلى الإغلاق المؤقت في انتظار وصول إمدادات جديدة.
وفي مقابل صفوف المنتظرين الممتدة لعشرات الأمتار، يحاول متطوعون تنظيم الحشود وسط حالة من القلق والترقب، فكل وعاء يُملأ بالطعام يعني بقاء أسرة ليوم إضافي من دون جوع، وكل قدر طعام فارغ يترك عشرات العائلات بلا بديل لتوفير الطعام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك