في يوم 23 يونيو/حزيران من كل عام تعاود الأمم المتحدة التذكير باليوم العالمي للأرامل، وما يواجه كثيرا منهن من فقر وظلم وانتهاكات، لا يقعن فيها وحدهن ولكن بصحبة أطفالهن وعائلاتهن أيضا وهو حال لا يختلف كثيرا بين دول العالم.
مأساة تتشكل فجأة من دون مقدمات، تجد معها كثير من النساء أنفسهن في مواجهة واقع جديد كليا، لا تشبه تفاصيله أيا مما اعتدن عليه قبل وفاة الزوج.
فقد مفاجئ وأزمات بلا مقدماتلم تتوقع أمل محمود أن وفاة زوجها قبل 3 أعوام سوف تتسبب لها في هذا القدر من المتاعب داخل منزل عائلته في أحد الأحياء الشعبية بمحافظة الجيزة.
السيدة الخمسينية تزوجت بعد قصة حب طويلة وأنجبت من زوجها 5 أبناء أصغرهم ما يزال في المرحلة الابتدائية.
وتقول أمل للجزيرة نت: " أضيب فجأة بالمرض الخبيث، أصابه في القولون، وخضنا رحلة علاج صعبة، ورغم صعوبة الحالة لم أتصور لحظة أنه قد يموت.
ظل بداخلي أمل مع كل جرعة من العلاج الكيميائي أنه سوف يعيش، لكنني استيقظت في يوم على مكالمة من المستشفى أنه توفي تاركا لي 5 أبناء، منهم فتاتان في عمر الزواج".
تؤكد أمل أن قسوة الفقد لم تكن أكبر من قسوة عائلته، موضحة: " لم أتخيل أنني وأبنائي سنصير هدفا لهم، كان للراحل شقة يملكها في البيت بخلاف تلك التي نقيم فيها، لكنهم أخذوها عنوة كي يتزوج فيها أحد أبناء أخيه، كما بدأ تضييق الخناق علي وعلى بناتي بشكل غير مسبوق ووجدتني مضطرة للاحتكاك بشقيقاته بشكل شبه يومي لأسباب تافهة.
اكتشفت لاحقا أنهم كانوا يريدون إخراجنا من شقتنا بطريقة غير مباشرة، أرادوا الاستيلاء عليها أيضا".
واضطرت السيدة التي لم تعمل في حياتها قط إلى افتتاح مشروع صغير أسفل منزلها تبيع من خلاله بعض الحلوى، لكن هذا لم يفِ بالغرض.
وتقول: " كان زوجي كهربائيا، يعمل بشكل حر، لي معاش ضئيل من الدولة، وأحصل على إعانات أحيانا من عائلتي، ومن بعض الجهات الخيرية، لكن مع ذلك تبقى الحياة صعبة للغاية".
ويقدر عدد الأرامل حول العالم بنحو 258 مليون امرأة، يعلنّ أو يشاركن في إعالة أكثر من 585 مليون طفل، فيما تعيش نحو 38 مليون أرملة في فقر مدقع، وفقا لتقرير صادر عن منظومة لوومبا الدولية المعنية بقضايا الأرامل حول العالم.
ويشير البنك الدولي إلى أن الأرامل يواجهن غالبا صعوبات اقتصادية حادة بعد وفاة الزوج، وكثيرا ما يفقدن جزءا من حقوقهن الاقتصادية أو أصولهن بعد الترمل، ما يزيد خطر الفقر، ويستعرض البنك الدولي أيضا نتائج دراسات تظهر أن الأسر التي تعيلها أرامل سجلت مستويات معيشة أقل من الأسر التي يعيلها رجل، وأن التمييز في الميراث وملكية الأراضي ضد المرأة من العوامل التي تزيد من هشاشة الأرامل اقتصاديا.
واقع اجتماعي مرير يعاد تشكيلهلم تكد الروائية والقاصة المصرية سهى زكي تتزوج وتبدأ حياتها حتى منيت بفقد زوجها عقب أقل من عامين، فودعت زوجها عقب وضع طفلتها الأولى بينما كانت بعد في التاسعة والعشرين من عمرها، تجربة لم يخطر ببالها أنها قد تمر بها يوما ما.
وتقول للجزيرة نت: " ظللت لوقت طويل عاجزة عن استيعاب مصطلح أرملة، أصبحت زوجة وأما وأرملة في عامين فقط، لكن لم يكن هناك وقت للفهم، كنت مجبرة على أن أكون قوية عقب صدمة الفقد لأن لدي طفلة".
وتضيف سهى أنها لم تدرك" حقا ما يعنيه كوني أرملة إلا حين فوجئت بصديقة تطلب مني التوقف عن زيارتها لأن لديها أشقاء ذكور.
هنا أدركت أنه صار لدي وضع جديد مقلق للآخرين، حاولت العثور على سكن لأنني لم أكن قد حصلت على سكن مستقر بعد، فاكتشفت أنها مأساة أخرى، ليس مسموحا أن أسكن وابنتي وحدنا بسهولة، وحين تعاطف صاحب سكن معي أخيرا، طلب مني ألا يزورنا أحد، بما في ذلك أبي وشقيقي، وصديقاتي، كان يراقبني ويضع شرطا ألا يزورني أي أحد وهذا ينطبق على المطلقة أيضا، إن كنت امرأة تعيش وحدها فمن حق الجميع مراقبتك والحكم عليك".
بحسب سهى فإن المجتمع يضع قانونا خاصا على الأرملة أول بند فيه أن تتخلى عن المرح واللطف وألا تتصرف على سجيتها، تقول: " الأرملة الشابة يجب أن تتجمد، وتصبح صارمة في التعامل مع الناس، وإلا سيضعها المجتمع في خانة بعينها، أما إذا التزمت بما يفترضه عنها المجتمع فسوف تحصل على التعاطف، لكنها في كل الأحوال تظل مسكينة بحاجة إلى رجل ويجب أن توافق على أقرب عريس، وإن كان غير مناسب".
تحكي الكاتبة المصرية عن المخاوف التي تحيط بها النساء أزواجهن في وجه الأرملة، تقول: " في أحد الأماكن التي سكنت بها تعرضت لاختبار من ثلاث جارات تكفلت كل منهن بعرض العرسان علي، لاختباري إن كنت أسعى للزواج أو لا، ولم يشعرن بالاطمئنان إلا حين أخبرتهن أنني لا أفكر في الزواج، وقتها تأكدن أنني لست امرأة لعوب".
مع هذا لا تنفي التعاطف الذي تحظى به الأرملة مقارنة بالمطلقة، موضحة السبب: " لأنها فقدت زوجها بصورة قدرية، وليس باختيارها، يشفق عليها المجتمع ذاته، ويحترمها أكثر إذا لم تتزوج، بينما هو المجتمع ذاته الذي ينصح الرجل بالزواج فورا حين يفقد زوجته، أحيانا أثناء العزاء، بل إن عائلة الزوجة هم من يتكفلون بتزويجه الثانية في بعض الحالات".
وهي قوالب صارمة تسعى كثير من الأرامل إلى تجنبها بالعزوف عن الزواج بحسب سهى التي تؤكد: " أكثر الأرامل يفضلن أكل التراب على الزواج من شخص يتحكم بهن وبأطفالهن".
وجدت دراسة بعنوان" الوحدة طويلة الأمد للترمل" نشرت عام 2022 أن الأرامل من الرجال كانوا في المتوسط أكثر شعورا بالوحدة مقارنة بالأرامل النساء، لكنهم كانوا أكثر ميلا لإعادة الزواج عقب وفاة الشريكة.
هكذا يمكن تخطي الفقد بسلامتستقبل الدكتورة رشا عبد الباري زكي، استشارية الأمراض العصبية والنفسية في عيادتها العديد من الحالات لأرامل يعانين من صعوبة شديدة في استئناف الحياة عقب وفاة الزوج، وتقول للجزيرة نت: " الأرملة لا تفقد زوجا فقط، بل تفقد جزءا من الحياة التي كانت تعرفها، الناس يرون يوم الجنازة، لكنهم لا يرون الليالي الطويلة التي تليها، ذلك الكرسي الفارغ على مائدة الطعام، والقرارات التي أصبحت تتخذها وحدها بعد أن كانت تُتخذ بالمشاركة، يظن البعض أن الزمن كفيل بالشفاء، لكن التعافي ليس طريقا مستقيما.
هناك أيام تبدو فيها قوية ومتماسكة، ثم تعيد إليها ذكرى عابرة أو مناسبة عائلية كل مشاعر الفقد دفعة واحدة.
الحزن لا يختفي، بل يتغير شكله مع الوقت"، مضيفة أن لعل أصعب ما تواجهه الأرملة" أنها تُطالَب بالقوة قبل أن تُمنَح فرصة الضعف.
الجميع ينتظر منها أن تتحمل مسؤوليات البيت والأبناء والحياة، بينما قلما يسأل أحد: من يحمل عنها بعض هذا الحمل؟ ".
وتضيف رشا: " هناك وحدة من نوع خاص؛ وحدة لا تعني غياب الناس، بل غياب الشخص الذي كان يعرف تفاصيل يومها دون شرح، ويفهم صمتها قبل كلماتها، لذا فالتعافي بالنسبة للأرملة ليس نسيانا، فالحب الحقيقي لا يُنسى.
التعافي هو أن تتعلم كيف تحمل الذكرى دون أن تنكسر تحت ثقلها، وكيف تسمح للحياة أن تستمر دون أن تشعر أنها خانت من رحل، وربما أكثر ما تحتاجه الأرملة ليس النصائح الكثيرة، بل قلبا رحيما يدرك أن بعض الجروح لا تحتاج إلى حلول، بل إلى من يرافقها بصبر حتى تلتئم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك