قناة الجزيرة مباشر - حزب الله: استهدفنا دبابة ميركافا في محيط قلعة الشقيف التاريخية العربي الجديد - إسرائيل تواصل خروقاتها لوقف النار بالتوازي مع محادثات واشنطن قناة الشرق للأخبار - أهمية زيارة بزشكيان إلى باكستان.. مساء الشرق مع هاجر بيوض 23-06-2026 قناة القاهرة الإخبارية - مجلس الشيوخ الأمريكي يصوت على قرار وقف الحرب على إيران وسحب القوات الأمريكية سكاي نيوز عربية - إنجلترا تتعثر أمام غانا قناة العالم الإيرانية - حماس تشيد بمواقف ايران الثابتة والراسخة تجاه القضية الفلسطينية وكالة شينخوا الصينية - مصر تدعو إلى استعادة الثقة بين الأطراف الإقليمية بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران التلفزيون العربي - القط لاري يواصل مهمته.. 15 عامًا في قلب السياسة البريطانية العربية نت - بيلنغهام في تصريح مفاجئ: "رجل مباراة غانا" Euronews عــربي - من المرض المزمن إلى الشفاء الكامل.. هل يقترب الطب من حل لغز الربو؟
عامة

تحالف المصالح العميقة.. من دماء يو إس إس ليبرتي إلى لغز النفوذ في غرف واشنطن المظلمة

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 4 ساعات
2

لم تكن التحالفات الدولية يومًا جمعيات خيرية تُبنى على أثير الوفاء المشترك، ولم تكن كرامة العلم الوطني فيها سوى رداء تذروه رياح المصالح؛ فالصفحات الأكثر قتامة في دفاتر" الواقعية السياسية" (Realpolitik)...

لم تكن التحالفات الدولية يومًا جمعيات خيرية تُبنى على أثير الوفاء المشترك، ولم تكن كرامة العلم الوطني فيها سوى رداء تذروه رياح المصالح؛ فالصفحات الأكثر قتامة في دفاتر" الواقعية السياسية" (Realpolitik) تُثبت أن الجغرافيا السياسية لا قلب لها.

في هذا الفضاء البراجماتي البارد، تبخس الدول قيمة الشعارات، وتتحول وشائج العلاقات بين العواصم إلى معادلات رياضية صفرية تحكمها موازين القوة العارية.

ولعل السقوط الأقوى لهذه الأقنعة يتجلى في تلك العلاقة الهجينة بين واشنطن وتل أبيب، وهي علاقة ملتبسة تتأرجح بنيويًا وتاريخيًا بين روافد عقائدية معلنة تصوغ الدعم كأنه واجب أخلاقي عابر للسياسة، وبين حقائق ميدانية تضج بالبراغماتية الدموية، حيث لم تجد القوة العظمى غضاضة في سحق هيبتها العسكرية وإهراق دماء بحارتها على مذبح الحفاظ على هذا التحالف.

إن تفكيك هذا التشابك المعقد يستعصي على أدوات القراءة السطحية المنبهرة بحدث الساعة، بل يستدعي تشريحًا بنيويًا يغوص في محطتين حاسمتين: الأولى؛ عسكرية غارقة في الدم والتواطؤ، تجسدها مأساة السفينة الأمريكية" يو إس إس ليبرتي" عام 1967.

والثانية؛ فكرية مؤسسية تقتحم غرف صناعة القرار المظلمة لفك لغز التبعية وللإجابة عن السؤال الأكثر حرجًا: " من يدين لمن بالوجود؟ ومن يقود دفة الآخر فعليًا؟ ".

ومن رحم هذا الدمج، تتبلور رؤية واقعية استشرافية تتجاوز الحاضر الممتد، لتقرأ بدقة إرهاصات التآكل الجيوسياسي في جسد هذا التحالف، في وقت يُعاد فيه ترسيم توازنات العالم وولادة نظام متعدد الأقطاب.

تفكيك السردية الأيديولوجية: حقائق التاريخ ضد خطابات التعبئةفي الأوساط السياسية الأمريكية، لا سيما داخل تيار" الصهيونية المسيحية" (Christian Zionism)، تتردد تصريحات أيديولوجية تحاول إضفاء طابع قدسي على الدعم الأمريكي لإسرائيل، لدرجة إظهار الولايات المتحدة وكأنها كيان مستحدث لا قيمة له لولا هذا التحالف.

لكن عند تفكيك هذا الخطاب التعبوي ومقارنته بموازين القوى، تتجلى حقيقتان راسختان:• مغالطة التاريخ التأسيسي: أُعلنت الولايات المتحدة دولةً مستقلةً عام 1776، وصاغت دستورها القائم على مبادئ التنوير وفصل الدين عن الدولة، وغدت قوةً عظمى مؤثرةً قبل تأسيس إسرائيل عام 1948 بقرن وثلاثة عقود؛ وبالتالي فإن ربط الوجود الأمريكي بإسرائيل هو مغالطة تاريخية صارخة.

• الدين الوجودي الفعلي: المعادلة مقلوبة تمامًا؛ فإسرائيل هي التي تدين في وجودها وتفوقها العسكري للدعم الأمريكي المطلق (السياسي عبر الفيتو في مجلس الأمن، والعسكري عبر شريان المليارات السنوية والتكنولوجيا الفائقة).

ولكن، إذا كانت هذه هي الحقائق الرقمية، فكيف وصلنا إلى مرحلة تجعل واشنطن مستعدة للتضحية بكرامتها العسكرية وسرية معلوماتها إرضاءً لحليفها الإقليمي؟ الإجابة تكمن في تفاصيل يوم قاحل من أيام يونيو عام 1967.

مسرح الجحيم في المتوسط: " يو إس إس ليبرتي" وتكلفة الصمتفي أوج اشتعال حرب يونيو 1967، وتحديدًا في وضح نهار الثامن من يونيو، كانت السفينة الملتفة بالسرية" يو إس إس ليبرتي" (USS Liberty) — التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA) وسلاح البحرية — تبحر في المياه الدولية على بعد أميال من شواطئ العريش.

لم تكن سفينة قتالية، بل كانت" أذن واشنطن الطائرة فوق الماء"، ومهمتها توثيق مسرح العمليات بدقة ورصد تفاصيل ميدانية بالغة الحساسية وتجاوزات لم يكن جيش الاحتلال يرغب في أن يوثقها أحد.

هنا، صدر القرار بالتصفية عبر هجوم منسق استمر لأكثر من ساعة، نُفذ على ثلاث مراحل متتابعة:الهجوم الجوي: شنت طائرات" الميراج" و" السوبر ميستير" غارات مكثفة بالرشاشات وقنابل النابالم، مركزة بدقة على تدمير هوائيات البث لقطع أي فرصة لإرسال استغاثة.

الهجوم البحري: أطلقت زوارق الطوربيد قذائفها، فاخترقت إحداها قلب غرف جمع المعلومات الاستخباراتية، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة فورًا.

إعدام الناجين: بحسب شهادات الطاقم الموثقة، أطلقت الزوارق الإسرائيلية النار مباشرة على قوارب النجاة المطاطية لتمزيقها ومنع وجود شهود يروون الحكاية.

حصيلة الهجوم: مقتل 34 بحارًا ومحللًا أمريكيًا، وإصابة 171 آخرين.

صراع الروايات وتواطؤ البيت الأبيضتذرعت تل أبيب لاحقًا بـ" ضباب الحرب" (Fog of War)، مدعية أنها ظنت أن" ليبرتي" هي السفينة المصرية القديمة" القصير"، وهو عذر واهٍ نظرًا للفارق الهندسي الشاسع وعلم الطيارين المسبق بالهوية الأمريكية وفقًا للتسجيلات المسربة.

ورغم أن وزير الخارجية آنذاك" دين راسك" وصف الرواية الإسرائيلية بأنها" غير قابلة للتصديق"، فإن الصدمة الأكبر جاءت من غرف واشنطن المظلمة.

فعندما التقط الأسطول السادس نداء الاستغاثة وانطلقت المقاتلات لنجدة السفينة، صدر أمر صاعق ومباشر من الرئيس ليندون جونسون ووزير دفاعه روبرت مكنامارا بإعادة الطائرات فورًا وترك السفينة لمصيرها.

وجاءت جملة جونسون الشهيرة المقيدة تاريخيًا لترسخ مفهوم الواقعية الفجة:" لا يهمني إذا غرقت السفينة بأكملها، لن أحرج حليفتنا! "تم إجبار الناجين على الصمت المطلق تحت طائلة المحاكمة العسكرية، ودُفنت القضية سياسيًا مقابل اعتذار بارد وتعويضات مالية هزيلة، مما يفتح الباب لتفكيك المعضلة: من يحكم الآخر فعليًا؟تشريح التبعية المقلوبة: " الذيل" في مواجهة" المخفر الأمامي"في إطار هذا الواقع المعقد، يبرز في العلوم السياسية منظوران أساسيان يتنازعان تفسير تفوق قرار الطرف الأصغر على الدولة العظمى:تذهب الرؤية الأولى (نظرية" الذيل يحرك الكلب" ) إلى أن العلاقة تخضع لآلية" التبعية المقلوبة"، حيث يمتلك الطرف الأضعف أدوات ضغط ونفوذ مالي وسياسي هائل داخل البنية السياسية الأمريكية عبر جماعات المصالح ولوبيات الضغط مثل (AIPAC) وشبكات تمويل الحملات الانتخابية في" كابيتول هيل"، مما يجعل معارضة تل أبيب بمثابة انتحار سياسي فوري لأي سياسي أمريكي.

وفي المقابل، تطرح الرؤية الثانية بديلًا استراتيجيًا يقوم على مفهوم" المخفر الأمامي الوظيفي"، حيث تُختزل إسرائيل هنا في صورة" حاملة طائرات أمريكية ثابتة" في قلب الشرق الأوسط.

وتتجلى وظيفتها الإمبراطورية في حماية تدفق الطاقة، وتطويق أي مشروع وحدوي إقليمي مستقل، وضمان نفوذ مستدام للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

وهي وظيفة حيوية تجعل واشنطن مستعدة للتضحية بدماء جنودها للحفاظ على هذا الحارس الشرس.

وبدمج المنظورين، يتضح أن صناعة القرار في واشنطن هي نتاج تكامل آليتي الضغط الداخلي والمصلحة الإمبراطورية الخارجية، حيث يتداخل التابع والمتبوع في تحالف عضوي وثيق يصعب فيه الفصل بينهما.

الحاضر الممتد ومستقبل التحالف المتآكلإن قصة" يو إس إس ليبرتي" ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي الخريطة الجينية للسياسة الخارجية الحالية.

وإذا نظرنا إلى المشهد الراهن بعين استشرافية، نجد أن هذا التحالف الفريد يمر بمرحلة تحول بنيوي عميق، سينقله تدريجيًا من كونه" أصلًا استراتيجيًا" إلى" عبء جيوسياسي" عبر ثلاث محطات حتمية:• تآكل الإجماع الحزبي داخليًا: لم يعد الشارع الأمريكي، وخاصة الأجيال الشابة وطلاب الجامعات والتقدميون، يتقبل فكرة منح" شيكات على بياض" بناءً على حسابات لوبيات قديمة.

هذا الصدع القاعدي يفرض اليوم تكلفة سياسية باهظة داخل الحزبين، وسيتحول بمرور الوقت إلى كابح أمام قرارات البيت الأبيض.

• استنزاف القوة الإمبراطورية الناعمة: مع تنامي نفوذ قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم فكرة" الدعم الأعمى" الذي يفقدها مصداقيتها ورصيدها الدبلوماسي أمام دول الجنوب العالمي، ويضعف قدرتها على حشد تحالفات في ملفات أكثر حيوية لأمنها القومي.

• الاصطدام بحائط الحفاظ على الذات: عندما تتقاطع مصالح البقاء السياسي الفردي للقادة في تل أبيب مع مصالح الاستقرار الإمبراطوري لواشنطن المنهكة بأزماتها وديونها، ستضطر الإدارات الأمريكية — مدفوعة بالبراغماتية الباردة — إلى فرض شروط صارمة لكبح مغامرات حليفها، دفاعًا عن الذات وليس استيقاظًا لضمير أخلاقي.

تظل دماء بحارة" يو إس إس ليبرتي" الشاهد الأكثر وضوحًا على أن شعارات" قدسية العلم" تتبخر كليًا عندما تصطدم بحسابات القوة المتجردة في غرف الظلام.

إن التحالف الذي بُني على مصالح متبادلة وتغذى على خطابات أيديولوجية، يواجه اليوم اختبارًا تاريخيًا غير مسبوق بعد أن بدأت كلفته الأخلاقية والجيوسياسية تتجاوز عوائده الاستراتيجية.

التاريخ لا ينسى، والواضح أن حسابات الماضي التي سمحت بإغلاق ملف" ليبرتي" لم تعد شروطها متوفرة في عالم اليوم المستيقظ على التعددية القطبية والرافض لسياسة الغرف المظلمة؛ فاللعبة السرية لم تنتهِ بعد، لكن فصولها القادمة قد تحمل بداخلها إعادة التابع والمتبوع إلى حجميهما الطبيعيين على رقعة الشطرنج الدولية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك