يُعدّ النجم المغربي الشاب إسماعيل صيباري واحدا من أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم العالمية، فهو لاعب خط الوسط الهجومي المتألق في صفوف نادي آيندهوفن الهولندي، وركيزة أساسية من ركائز المنتخب المغربي الأول في كأس العالم 2026.
بفضل مهاراته الفنية العالية وقدرته الفريدة على اللعب في مراكز هجومية متعددة، خطف ابن الخامسة والعشرين عاما الأنظار في كبرى المحافل الكروية، ليصبح اسما يتردد بقوة على طاولة أعتى الأندية الأوروبية.
ولم يكن تألق إسماعيل صيباري وليد الصدفة أو مجرد طفرة عابرة في العرس العالمي، بل هو امتداد لتوهج لافت مع فريق آيندهوفن الذي توج معه بلقب الدوري الهولندي في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
هذا الأداء الخرافي دفع العملاق الألماني بايرن ميونيخ إلى خطب وده، والتوصل بالفعل إلى اتفاق لضمه إلى صفوفه مقابل 55 مليون يورو، في صفقة لا تنتظر سوى اجتياز الفحص الطبي لإبرامها رسمياً بحسب التقارير.
هذا الانتقال الوشيك لقلعة" أليانز أرينا" أثار إعجاب المحللين والنجوم، إذ قال عنه الأسطورة الفرنسي السابق تييري هنري لشبكة" فوكس" مشيدا بمرونته التكتيكية: " يلعب جيدا على الجبهتين اليمنى واليسرى، واليوم أثبت أنه قادر على اللعب في الوسط.
يستحق الانتقال إلى بايرن ميونيخ، وأعتقد أن المدرب كومباني يحب هذا النوع من اللاعبين".
خلف هذه الملايين والأضواء العالمية، تختبئ حكاية طفل عانى الأمرين.
في طفولته، شُخّص مهاجم المنتخب المغربي بتشوه خلقي على مستوى القدمين، وهي معضلة صحية أكد الأطباء لوالديه آنذاك صعوبة عودته للمشي بسببها.
لكن الإرادة صنعت الفارق، حيث خضع لبروتوكول علاجي طويل وشاق، تضمن الاعتماد على تجهيزات طبية حركية مخصصة لمساعدته على الوقوف والمشي.
وعن تلك الفترة الحرجة، قال صيباري بثقة في تصريح لتلفزيون" فينستروم" السويدي: " كانت قدماي مقوستين إلى الداخل وكنت أستعين بآلات للمشي، والطبيب المعالج أبلغ والدي بأنني قد لا أتمكن من المشي لبقية حياتي".
وأضاف: " لكنني مسلم وأثق بالله، وأمي صلت من أجلي.
كنت أريد حياة طبيعية فقط وليس بالضرورة أن أكون لاعب كرة قدم، لكن شكراً لله، أملك الآن قدمين طبيعيتين وجسداً متعافياً".
لم تكن تلك المشكلة الطبية هي العقبة الوحيدة في طريقه إلى التألق، بل تلقى صيباري صدمة أخرى في بداياته عندما استبعده نادي أندرلخت البلجيكي من تشكيلته بسبب زيادة في الوزن.
هذا الإحباط لم يثنِ عزيمته، بل كان وقوداً دفعه إلى العمل المضاعف لإثبات ذاته من جديد حتى وصل إلى القمة وبات هدفاً للعملاق البافاري بايرن ميونيخ.
بدأ صيباري مسيرته الكروية مع نادي تيراسا، المدينة التي ولد فيها بإقليم برشلونة، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى بلجيكا في سن السادسة، حيث تدرج في الفرق العمرية لأندية بيرشكوت، وأندرلخت، وميخلين، وغنك.
لكن المحطة المفصلية كانت عندما حط الرحال في آيندهوفن عام 2020، حيث فجّر موهبته الحقيقية، وأبان عن فنيات واعدة صقلها بكثير من الجهد.
بات صيباري يشكل في الوقت الراهن أحد الحلول التكتيكية الهامة والركائز القوية في خيارات الإدارة الفنية للمنتخب المغربي، بعد مسيرة مميزة سجل خلالها 42 هدفاً وصنع 29 تمريرة حاسمة في 142 مباراة مع الفريق الهولندي.
وعندما يلتقي المنتخب المغربي مع هايتي في أتلانتا في الجولة الثالثة والأخيرة، ستُسلط الأنظار مجددا على صيباري لقيادة" أسود الأطلس" إلى الفوز الثاني تواليا وبلوغ دور الـ32 في نهائيات كأس العالم في أمريكا الشمالية.
لفت صيباري الأنظار بشكل مذهل في الولايات المتحدة بتسجيله هدفي منتخب بلاده حتى الآن، الأول بتسديدة ساقطة جميلة في مرمى البرازيل (1-1)، والثاني بتسديدة أجمل من داخل المنطقة في مرمى اسكتلندا (1-0).
والآن يغازله التاريخ، فهدفه القادم في شباك هايتي سيجعله أول لاعب إفريقي يسجل في مباريات دور المجموعات الثلاث في تاريخ كأس العالم.
ومعه سيعادل أو يحطم الرقم القياسي لأكثر لاعب مغربي تسجيلا في المونديال، والذي يحمله يوسف النصيري (3 أهداف)، الغائب الأبرز عن النهائيات بقرار فني من المدرب محمد وهبي.
الغريب في الأمر أن صيباري ليس قلب هجوم كلاسيكي، بل لاعب وسط وظّفه المدرب وهبي كمهاجم وهمي وصانع ألعاب وجناح، في إطار فلسفة كروية تعتمد على اللعب دون رأس حربة تقليدي (رقم 9).
وعقب الفوز على اسكتلندا، علّق المدرب محمد وهبي قائلا: " ولدت فكرة توظيف صيباري في مركزه الحالي عندما توليت تدريب المنتخب، وأردت فرض مبادئي وخططي وتطبيقها مع أفضل اللاعبين المتاحين".
وأضاف: " لدي العديد من صانعي الألعاب (رقم 10)، وكان يتعين عليّ إيجاد منظومة تكتيكية تخلق الانسجام لنكون أكثر فاعلية وصلابة، وحتى الآن، تسير الأمور بشكل جيد".
وكان صيباري عند حسن ظن مدربه، حيث منحت ثنائيته بلاده أربع نقاط وقدمت بها خطوة واسعة نحو دور الـ32.
وفي تصريح لموقع الاتحاد الدولي (فيفا)، عبّر النجم المغربي عن سعادته قائلاً: " إنها أجمل لحظة في مسيرتي، لأن اللعب في كأس العالم مع منتخب بلادك هو حلم الجميع، وقد تمكنت من تحقيقه بتسجيل هدفين في مباراتين".
وتابع: " لكن الأهم هو تجاوز مرحلة المجموعات والوصول إلى أبعد نقطة ممكنة"، في إشارة واضحة لرغبة الأسود في تكرار أو تجاوز إنجاز مونديال قطر التاريخي.
تحرير: عبده جميل المخلافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك