في العشرين من يونيو من كل عام يتجدد التضامن العالمي مع اللاجئين، كما أقرت بذلك الأمم المتحدة، ليبعث الأمل في النفوس بأن هناك عودة للوطن ووعداً بحياة كريمة، لكن هذا الامل يتجدد، من دون فعلٍ أو إجراء يُمكّن اللاجئين من تحقيق حلمهم بالعودة إلى الأرض التي شُردّوا منها، من خلال تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
ويبقى اللجوء الفلسطيني جرحاً عميقاً وسلسلةً ممتدة لجرائم الاحتلال منذ وعد بلفور المشؤوم 1917، وما زالت ارتداداته ماثلةً امام البشرية حتى يومنا هذا.
هذا الجرح الذي لم يلتئم؛ بات محفورا في ذاكرة الصغار والكبار، وإن رحل الكبار فإن الصغار تعلموا الدرس وما زالوا يحملون مفتاح العودة للديار، وبئس ما قالت غولدا مائير، رئيسة وزراء الكيان الصهيوني ذات يوم، » إن الكبار يموتون والصغار ينسون».
استطاع الشعب الفلسطيني تحويل صموده أمام كل المخططات، وكل آلات الدمار والموت والإبادة، إلى مشروعٍ وطني سياسي، نقل القضية من الخيمة إلى أروقة الرأي العام العالميالمحطات التي مرّ بها الفلسطيني أرخت عليه مسميات عديدة، اقترنت بظروف العدوان الإسرائيلي المستمر؛ فهو لاجئ ونازح ومهجّر ومطرود ومُبعد، وقد خَبِرَ الخيمة مراتٍ ومرات، إذ أصبحت رمزاً لصموده، رغم أنها متهالكة وممزقة أحيانا، ومحترقة أحيانا أخرى، وغارقة بالمياه أو تعبث بها الرياح العاتية، إنها خيمة عودته التي حملها على ظهره، وإن عاد إلى بيته المدمر، نصبها فوق ركام منزله، ورفع عليها علم الوطن، وكأنه يردد ما قاله الشاعر توفيق زيّاد «على صدوركم باقون كالجدار، وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، كالصبار».
استطاع شعبنا تحويل صموده أمام كل التحديات والمخططات، وأمام كل آلات الدمار والموت والإبادة، إلى مشروعٍ وطني سياسي، نقل القضية من الخيمة إلى أروقة الرأي العام العالمي، فأصبحت قضيتنا قضية وطن محتل، وليس فقط قضية إنسانية إغاثية، وأصبحت قضية عابرة للحدود، تلقت الدعم والتأييد من أكثر من 150 دولة في العالم، ولم يتخل الفلسطيني اللاجئ عن نضاله الوطني في كل أماكن وجوده، رغم المعيقات والمخططات لحصاره ومنعه من ممارسة حقه في النضال لاستعادة أرضه وإقامة دولته، هذه المخططات التي سعت إلى إذابته وتوطينه في البلدان التي يوجد فيها، أو تهجيره قسرياً كما يحدث الآن في غزة والضفة، من خلال ممارسة أعمال القتل والإبادة ونسف البيوت وتدمير الممتلكات ومصادرة الأراضي، خاصة في المخيمات التي تعتبر دوماً خزان القضية وخزان المقاومة، ورمز حق العودة الذي كفلته الشرائع والمواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة كافة.
هذه المخططات لم تتوقف يوماً عن تفكيك المجتمع الفلسطيني في كل أماكن وجوده، سواء في غزة أو الضفة أو الداخل أو الشتات أو دول الطوق.
ولم تتوقف أيضاً محاولات تدجين الوعي الفلسطيني، بوصف نضاله المشروع «بالإرهاب»، وجعل ذلك فزاعةً وفوبيا أمام الرأي العام العالمي.
وها نحن اليوم، في ذكرى يوم اللاجئ العالمي، نستحضر بعضاً من معاناة شعبنا؛ فاللجوء تسبب بقتل الأرواح قبل الأجساد، وتسبب بتدمير الذاكرة الفلسطينية وقتل الأحلام والذكريات والطموحات، شتت العائلات وفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية لهول ما عاشه اللاجئ من مجازر وإبادة وقصف وتدمير رافق الاحتلال، ورافق تلك المخططات، ورغم قساوة اللجوء، وقساوة حياة، افتقد اللاجئ فيها دثارا يغطي جسد أطفاله، ولقمة تسد الأفواه الجائعة، ورشفة ماء تروي عطشه، وحبة دواء تخفف الآلام.
فقد الفلسطيني اللاجئ الأمن والأمان، افترش الأرض والتحف السماء، وكان أقوى من جبروت وقسوة الطبيعة ووحشية العدوان، نهض من جديد، وجعل من طوابير «الإعاشة وتوزيع المؤن والبقج» درباً نحو الصمود من أجل غدٍ أفضل، وكان له ذلك، فتحولت الخيمة إلى مدرسةٍ أحيانا، وإلى مشغلٍ أحيانا أخرى.
وهكذا كدّ الفلسطيني وجاهد في معركة الحياة، وكان يُنجب الأطفال رغم الفقر والمعاناة، فالأولاد كانوا يعملون ويدرسون في آن معاً، لم يعرف الأطفال الفلسطينيون معنى اللعب إلا قليلا في الحواري الممتلئة بالوحل والمياه الآسنة والفضلات.
لم يعش الأطفال طفولتهم، ولم تكن لديهم تلك الألعاب سوى ما تصنعه أياديهم، كنا نغوص في وحل الشوارع غير المعبدة التي توصلنا بصعوبة إلى مدارسنا، وتحت غزارة الأمطار، ونحاول الاحتماء منها فتواجهنا المزاريب، من دون معاطف أو سترات تقينا المطر والبرد.
وكانت الأم تعجن وتخبز وتغسل وتطبخ وتنظّف بأدوات يدوية بسيطة، وبيدٍ تحمل طفلاً وتهز الآخر بما يشبه أرجوحةٍ مدلاةٍ من السقف.
كنا ننام في خيمةٍ أو بيتٍ من غرفةٍ واحدة ليس لها أبواب توقظنا أحيانا الكلاب الجائعة أو نباحها.
ننام بلا مصابيح ونشتري الماء ونغطي أجسادنا بـ»حرامات وبطانيات» الأونروا لعدم وجود المدفأة.
ويجمعنا، «سدر» الطعام، ويتسول الكبير منّا قطعة خبزٍ إضافية لأخيه الصغير ليُكمل أكله.
كانت طفولتنا بائسة؛ لم تعرف معنى الألعاب، التي نشاهدها اليوم، وكنا نصنع بعضها من نوابض الأَسِرّة «رفاسات»، ومن مخلفات ألعاب الأطفال الآخرين، أو من الإطارات المستعملة.
وكنا نلعب في الحفر التي تحفرها البلدية لمجرور الصرف الصحي، أو الكهرباء والمياه في ما بعد.
وكنا أحيانا نسير نحو 2 كـم لنشاهد أفلام الكرتون في مقهى بلدة مجاورة.
اما كرة القدم فكانت «طاسة» معدنية لمدفأة نلعب بها على أرضٍ شهدت أجسادنا على جروحٍ وندباتٍ من حجارتها وترابها.
وعندما تأسس مخيمنا الذي كان قد بدأ بحارات من الخيام ومن ثم من بيوت طينية، ثم تدريجياً تحوّل بسواعد أبنائه إلى أبنية من البلوك والإسمنت.
وكانت تُعطى العائلة، بحسب عدد أفرادها نمرة أو نمرتين ( النمرة تساوي 40 م² )، مع مرور الوقت تطوّر المخيم، فأصبح، بعزيمة أبنائه واعتمادهم على الذات، مكوناً اقتصادياً اجتماعياً أكاديمياً وسياسياً وتنظيمياً لكل فصائل العمل الوطني، وزاد عدد قاطنيه من الأحياء المجاورة واتسع تدريجياً ليوازي مدينة صغيرة لما يحتويه من منشآت ومرافق.
هذا يؤكد إصرار اللاجئ الفلسطيني على مواصلة معركة الحياة، ويعيد إلى الأذهان ما كانت عليه فلسطين قبل النكبة، حيث شهدت آنذاك تأسيس أول مطار وميناء عربي ومشاركتها في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عام 1934 وبلوغها درجة جيدة من الازدهار والانتعاش الاقتصادي والعلمي، مقارنةً بالدول العربية والخليجية التي تلقت مساعدات منها.
كما يؤكد خطأ العبارة القائلة: «من خرج من الجغرافيا، خرج من التاريخ»، فالتاريخ تكتبه الشعوب وليس الطغاة والمحتلين والمعتدين.
لقد طُرد الفلسطينيون إلى دول الطوق، وكان عددهم إبان نكبة 1948 نحو 800 ألف، واليوم أصبحنا 15 مليون ونصف، فهذه الديمغرافيا ستنتصر يوماً وتعود الجغرافيا والتاريخ معاً فلسطينيين.
إن إطلاق أسماء المدن والبلدات والقرى الفلسطينية على الشوارع والمدارس والمرافق والمتاجر، والمكتبات (ومنها أول مكتبة في المخيم أسسها والدي «مكتبة فلسطين»، وأول مطبعة أسسها أيضاً «المطبعة العربية الفلسطينية»).
يحمل دلالات عند الفلسطينيين كافة في كل أماكن وجودهم، منها تأكيد عروبة قضيتنا وفلسطينية أرضنا وتمسكنا بالعودة إليها، ومواجهة سياسة التهويد في الأراضي المحتلة.
في يوم اللاجئ العالمي، ومع اتساع رقعة الاحتلال على الأرض الفلسطينية، وتقطيع الأوصال، وتقسيم البلاد ومصادرة الأراضي، والتنكيل بالشعب، وممارسة كل أشكال الإبادة؛ لم يبق من الأرض والوطن سوى الهوية والذاكرة الفلسطينية، وتمسك الفلسطيني بأرضه وحلمه الذي لا بد أن يتحقق يوماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك