سبحان الذي سخّر كرة القدم لتطلق الألسن في تونس من عقالها! !مشاركة المنتخب التونسي الهزيلة في كأس العالم لكرة القدم الحالية نقلت غضب الناس، بدرجات مختلفة، من الحديث عما جرى في الملعب إلى ما يجري في البلاد، ومن الخوض في المتسبب في نكسة فريق إلى الخوض في المتسبب في نكسة بلد بأكمله.
هزيمة أولى أمام السويد ثم ثانية أمام اليابان كانتا كفيلتين في أن ينطلق كثيرون، في مواقع التواصل المختلفة، في انتقاد الرئيس قيس سعيّد وسياساته، كما لم تدفعهم إلى ذلك من قبل بيانات المعارضين ومظاهراتهم أو سياسة القمع الشاملة وتفقير الناس.
ربما بات من الممكن الآن القول إن كرة القدم قادرة أن تتحوّل في بعض الحالات إلى فاعل سياسي موقظ لضمائر كانت توصف بالميتة، ومحرّك لرأي عام كثيرا ما اتهم باللامبالاة، وكأن ما جرى على الميدان في مباراتين طوال مائة وثمانين دقيقة فتح الأعين على ما يجري في البلاد بأكملها منذ خمس سنوات على الأقل.
انتقل سخط الناس من سخط على أداء منتخبهم وسوء اختيارات مدرّبه وفساد وعدم كفاءة جامعة كرة القدم إلى سخط أقوى على الفريق الحاكم في البلاد ورئيسه والطبقة المساندة له.
فجأة ظهر أن من استطاع أن يتحدث بكل جرأة وشجاعة عن المنتخب والمدرب والجامعة ووزير الرياضة بإمكانه كذلك أن يدفع بجرأته إلى الحديث بنفس اللهجة عن رئيس الدولة ووزرائه وبرلمانه وسياساته التي لم تؤد سوى إلى مزيد من إغراق البلاد والعباد في أزمات متلاحقة لا حصر لها.
مباراتان فقط في كرة القدم نجحتا في تحريك ما لم تستطع المعارضة تحريكه في شعب بدا في معظمه مستسلما لقدره وغير مستعد لمجابهة منظومة سياسية بالكشف عن عوارها الكامل وانعدام كفاءتها.
استنتاج مرير لا يعود فقط إلى فشل هذه المنظومة في تحقيق أي مكاسب اجتماعية أو اقتصادية تنهض بالمستوى المعيشي للناس، ولا إلى فشلها في الإيفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها والمشاريع الكبرى التي أوهمت الناس بأنها قادرة على إنجازها، وإنما أيضا – وهذ الأخطر على الاطلاق- إلى فشلها حتى في المحافظة على ما كان جيدا أو متماسكا قبل تمكنها من الإمساك بالبلاد من خناقها ليس فقط في مجال الحياة السياسية من حرية رأي وصحافة وتعبير وتنظيم وإنما أيضا في حياة الناس المعيشية من توفر السلع والأدوية وحد أدنى من مستوى الخدمات العامة المختلفة من صحة ونقل وتعليم وغيرها.
كرة القدم قادرة أن تتحوّل في بعض الحالات إلى فاعل سياسي موقظ لضمائر كانت توصف بالميتةفرصة لم تكن في الحسبان هذه المشاركة التونسية في كأس العالم فقد أطلقت نقاشا عاما واسعا للغاية، نتمنى ألا يكون ظرفيا، شاركت فيه فئات واسعة داخل تونس وخارجها، من الشباب بالدرجة الأولى وهم الأمل الحقيقي والوحيد لمستقبل أفضل، من النساء والرجال على حد سواء، منهم من رأى في الحدث الكروي فرصة لمواصلة نهجه النقدي السابق للقيادة السياسية ومنهم من كان له هذا الحدث بمثابة الصدمة التي جعلته يفتح عينيه على واقع مرير في كل المجالات، لم يكن خافيا عليه بالتأكيد لكنه ربما لم يكن يجد الشجاعة الكافية لنقده في مناخ قاد الكثيرين ممن فعل ذلك إلى ما وراء القضبان.
كل هؤلاء لم يكتفوا أن اعتبروا نتائج منتخبهم وسوء استعداداته والفساد والمحسوبية المحيطة به تعبيرا صادقا لحال بلد بأكمله، وإنما مضى الكثير منهم إلى ما هو أبعد من ذلك فصوّب سهام نقده إلى القيادة السياسية وخياراتها، متطرقين بالتفصيل إلى كثير من النواحي الخاصة بأداء رئيس الدولة نفسه ومدى صواب اختياره لوزرائه وكيف تحوّل الولاء الشخصي له مقدّما على أي اعتبار آخر له علاقة بالكفاءة.
بعضهم لم يقف عند أهلية رئيس الدولة بالمنصب وإنما مضى إلى تقويم دقيق للغاية لنشاطه عبر جدول (يحتاج إلى مزيد من التحيين الآن) يظهر «عزلته التدريجية» لأن سعيّد لم يدع مثلا إلى اجتماع لمجلس الوزراء برئاسته منذ 274 يوما ولم يلتق رئيس حكومته منذ 31 يوما وبوزيرة عدله منذ 526 يوما ووزير خارجيته منذ 144 يوما وغير ذلك من الأمثلة.
آخرون انتقدوا وزير الرياضة الذي تجاوز الستين وهو يجيب شابا متحمسا لإنشاء أكاديمية رياضية بأن عليه تأسيس «شركة أهلية» وهو مشروع هلامي أطلقه الرئيس قبل أشهر ولا جدوى اقتصادية له على ما يقول كل خبراء التنمية الاقتصادية.
آخرون صبّوا جام غضبهم على نائب رئيس جماعة كرة القدم التي تحوم حوله شبهات لا حصر له لكنه بقي ذا حظوة فقط لأنه يمتلك قناة تلفزيونية تخصصت في التطبيل للرئيس وتشويه معارضيه.
فتاة تونسية مقيمة في كندا بثت فيديو مؤثرا للغاية ناقدا بجسارة واضحة الوضع العام للبلاد ورئيسها ولقي رواجا منقطع النظير، لكن الفتاة عادت في فيديو جديد بعد يوم واحد لتتساءل، بين الاستغراب والضحك، عما إذا كان ما زال بإمكانها أن تزور تونس من جديد دون أن تجري مضايقتها أو اعتقالها!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك