في زمن «السوشيال ميديا» والمُلهيات الرقمية وهيمنة الأجهزة الذكية، تعيش صناعة الكتاب الإماراتي اليوم على وقع مشهد خاص، فبينما تتسارع المساعي والخطى المؤسسية لتعزيز المشهد الثقافي عبر مبادرات نوعية ومعارض دولية موسعة، يبرز تحدٍّ جوهري يتمثل في انحسار القراء وتمدد الفضاءات الرقمية، ليفرض هذا التباين تساؤلات ملحة حول الحلقة المفقودة في مسار النشر، وما إذا كانت كامنة في غياب التسويق والشروط المجحفة لبعض دور النشر، أم ضعف الإقبال على القراءة وصناعة الفرد الشغوف بالمطالعة والمعرفة.
«الإمارات اليوم» تقرأ تفاصيل المشهد للوقوف على جذور الأزمة وسبل حلها، بعيون مسؤولين وناشرين ومبدعين، يتفق معظمهم على ضرورة الاستثمار في صناعة القارئ الذي يعد الحلقة الأهم في المنظومة، داعين إلى عودة حصة المطالعة اليومية من مرحلة رياض الأطفال، وصولاً إلى المدارس الثانوية، من أجل تربية جيل قارئ يعشق الكلمات ويقدرها.
وفي المقابل، لم يُعفِ البعض صناع الكتاب، مؤلفين وناشرين، من المسؤولية، مشيرين إلى غياب الخطط التسويقية الواضحة لإيصال المنتج الإبداعي إلى المتلقي، وتسليط مزيد من الضوء على العديد من الإصدارات التي تطل لدورة واحدة في معرض كتاب ما، ثم تختفي فجأة وتتلاشى.
من جهته، أكد عضو مجلس إدارة مكتبة محمد بن راشد، الدكتور محمد سالم المزروعي، أن القارئ لايزال يمثل البعد الأهم في منظومة النشر وصناعة الكتاب الإماراتي عموماً، بوصفه المتلقي الأول للمنتج والموجه لبوصلته، مضيفاً: «هناك مفارقة بارزة ومفاجئة أظهرتها إحصاءات العام الماضي، فقد اكتشفنا أن الأطفال والشباب، أي الشريحة المحسوبة اليوم على جيل (السوشيال ميديا)، هي الفئة الأكثر قراءة، وذلك رغم صغر حجم مكتبتي الطفل والشباب، مقارنة بالمكتبة العامة التي تحتضن 525 ألف كتاب، ما يثبت بشكل صريح ومباشر لا يدعو للشك، أننا أمام جيل نهم ويقرأ، لكن بأساليب مغايرة لما عهدناه».
وفي معرض رده على الانتقادات الموجهة لتدفق الأقلام الجديدة غير الناضجة إلى سوق النشر، تبنى الدكتور المزروعي رؤية بدت واقعية ومتفائلة، والأهم أنها منفتحة على المستقبل، تعتمد على مبدأ «الوفرة» التي تسبق «الجودة»، فكلما اتسعت دائرة الكتابة والإبداع، ازدادت فرص بروز الأصوات الحقيقية والأعمال الرفيعة، متابعاً: «نحن بحاجة ماسة اليوم إلى التركيز على الكم كخطوة أولى، ومع مرور الوقت ستتم غربلة النتاجات وتمييز أفضلها وأكثرها جودة، ونحن نؤمن بقاعدة أن (الكل يكتب، لكن السوق هي من تحكم وتقرر آليات البقاء)، وهي آلية تنطبق على مجالات الأدب والشعر وكل الفنون والتجارب الإبداعية».
من جانبه، سلط نائب رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، سلطان المزروعي، الضوء على المسار الحيوي الذي يسلكه المنتج الثقافي المحلي، معتبراً أن المعارض تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية للكاتب الإماراتي، وقال: «تبدأ رحلة الكتاب من منصات المعارض، حيث يتم التدشين والتعريف بالإصدارات الجديدة، لتنتقل بعدها مسؤولية الاحتضان والتبني إلى المكتبات، وهو ما يمنح الكاتب ريادة ومكانة مستحقة، لاسيما أنه الرافد الأساسي الذي يوثق تاريخ وأدب وواقع المجتمع الإماراتي».
وفي مقاربته لحل أزمة تراجع معدلات القراءة ورفع الوعي، شدد على حتمية الاستثمار المنهجي في «صناعة القارئ» بوصفه الحلقة الأهم في منظومة النشر، ورأى أن «الحل الجذري لهذه الإشكالية يتمثّل في إدراج حصة يومية إلزامية للمطالعة ضمن المناهج الدراسية، تبدأ من مرحلة رياض الأطفال، وصولاً إلى الثانوية العامة، وذلك بهدف التأسيس المعرفي لجيل قارئ وقادر على قيادة وبناء المستقبل».
من جانبه، عاد الكاتب والإعلامي الإماراتي، علي عبيد الهاملي، بالذاكرة إلى حقبة الثمانينات في استعراضه للدور المحوري الذي لعبته الحاضنات الثقافية في دعم الكاتب المحلي، فقال: «ظهور المؤسسات الثقافية الرائدة كندوة الثقافة والعلوم، ومؤسسة سلطان بن علي العويس في دبي، واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، شكل طوق نجاة للمؤلف الإماراتي، حيث وفرت هذه الجهات منظومة متكاملة تبدأ بإخضاع المخطوطات للجان تحكيم متخصصة لتقويمها إبداعياً وعلمياً، وصولاً إلى التكفل بطباعتها ومنح المؤلف مكافأة مالية ونسخاً مجانية».
وأوضح نائب رئيس ندوة الثقافة والعلوم بدبي أن تلك المؤسسات أخذت على عاتقها أيضاً مسؤولية الترويج للإصدارات عبر تمثيلها في معارض الكتب المحلية والدولية، ما أسهم في رفد المكتبة الوطنية بكم هائل من الكتب القيمة، مضيفاً: «رغم هذه الجهود المؤسسية المتكاملة مازال ينقصنا في الإمارات، الترويج الاحترافي، فحتى دور النشر الخاصة تفتقر إلى خطط تسويقية واضحة لإيصال المنتج الإبداعي إلى المتلقي».
وفي تشخيص لواقع النشر المحلي، وتراجع معدلات القراءة، عقد الكاتب والناشر الإماراتي، عبيد بوملحة، مقارنة تاريخية، مستشهداً بإغلاق دار نشر عام 1905 إثر اكتفائها ببيع 60 ألف نسخة، مضيفاً: «إذا قسنا ذلك الزمن بواقعنا، نجد أن بيع 600 نسخة بات يعد نجاحاً لدار النشر، ما يعكس هبوطاً حاداً في أعداد القراء وتزايداً واضحاً للملهيات الحديثة التي غيبت جمهور القراءة الفعلي».
وحول التدخل المؤسسي، أشاد بوملحة بجهود الدولة في هذا الإطار، إذ أعادت الإمارات النبض للكتاب العربي عبر مبادراتها الثقافية النوعية التي لولاها لكانت سوق الكتاب في عداد الأموات.
ورداً على إشكالية الفجوة المتزايدة مع القارئ، طرح بوملحة مسارين للمعالجة، قائلاً: «نحتاج اليوم إلى خطط طويلة الأمد تبدأ من المدارس، وإلى حلول آنية فاعلة ترتكز على إبراز الكتاب والمثقفين ومنحهم مكانة مجتمعية لائقة»، معتبراً أن «مهمة الكاتب تنحصر في عملية الخلق والإبداع، وإضافة صوت إلى المشهد الثقافي، أما مهمة التسويق فتبقى حصراً ضمن مسؤوليات الناشر، الذي يجب أن ينفذ بطرق ابتكارية إلى كل مكان، ويرسم مسارات تضمن وصول الكتاب بشقيه المطبوع والإلكتروني إلى متناول الجميع».
في دفاعه الموضوعي عن دور الناشر الخاص وسط تباين الآراء حول أطراف أزمة النشر، أكد الكاتب والناشر الإماراتي علي الشعالي، أن المستثمر في هذا القطاع يغامر بدخول صناعة إبداعية نخبوية محفوفة بالتحديات، مضيفاً: «نتلمس طريقنا بقوة، والأرقام وحجم الوجود في معارض الكتاب يثبتان أننا قطعنا شوطاً كبيراً، وما يوجه للناشر المحلي من انتقادات اليوم هو في جوهره (عتب محبين)، وأسئلة طموحة نابعة من الغيرة على الثقافة».
وحول نظرته لواقع الكتاب الإماراتي ومستقبله، أبدى الشعالي تفاؤلاً كبيراً، موضحاً: «قبل ربع قرن عانيت ككاتب لإيجاد جهة تتبنى طباعة إصدارتي الأولى، أما اليوم فالفرص متاحة بغزارة للكاتب الإماراتي سواء من نافذة المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية، ولقد بتنا نرى اليوم زخماً يومياً ومؤسسات ثقافية نوعية كبيت الفلسفة ودارة الشعر العربي في الفجيرة، ومشاركات دولية نوعية للشارقة وأبوظبي، فضلاً عن سعي الرموز السياسية الحقيقي على الأرض اليوم، إلى إيجاد واقع معرفي مختلف ومتطور، والجهات الرسمية لتوظيف هذا الحراك المعرفي لترسيخ مفاهيم مثل الهوية والانتماء والولاء، وتوعية الأجيال بطبيعة المرحلة، وهذا الحراك برأيي اليوم هو الأهم».
من زاوية المبدع وتوصيف معاناته في تجارب ومسارات النشر وصولاً إلى القارئ، وجهت الكاتبة والروائية الإماراتية فتحية النمر، انتقادات لآليات عمل بعض دور النشر العربية التي اعتبرتها مجرد مطابع لا تقدم الدعم الأدبي الحقيقي للكاتب، مضيفة: «يفاجَأ الكاتب المبتدئ عند سعيه إلى الانتشار الخارجي بشروط مجحفة ورسوم باهظة، بينما تكتفي هذه الدور بعملية طباعة الكتاب دون أي عمليات تقييم نقدي، أو تسويق أو حتى شراكة عادلة في المبيعات».
وتابعت: «يظل الترويج المحلي غير كافٍ، فالكتاب بعد دورة واحدة يختفي فجأة من المعارض ويتلاشى، إضافة إلى ذلك يعاني الكاتب أحياناً كثيرة، انحياز بعض المؤسسات الثقافية والنوادي القرائية الواضح والحصري نحو الترويج للكتب الفائزة بالجوائز، وهذا مجحف في حق بعض الكتاب الذين لا يترشح الكثير منهم لهذه الجوائز، وكأن هذا الكتاب هو الوحيد الذي يجب أن يطلع عليه العالم، في الوقت الذي تحقق الكتب الفائزة لأصحابها، الانتشار والدعاية، وكذلك المردود المادي الكافي».
واختتمت قائلة: «لا أرى تقصيراً من الدولة بقدر ما أدعو المؤسسات الرسمية للقيام بدور أكبر، وما أحوجنا اليوم لتفعيل الورش التدريبية بشفافية أكبر بعيداً عن المحسوبية، لصقل المواهب الحقيقية ورفع حظوظ الكتاب الموهوبين للمشاركة والمنافسة، ورفد الساحة بتجارب واعدة ومرموقة».
من منظور واقعي متعلق بالممارسة الميدانية، شددت صاحبة مكتبة الأوتار الثقافية في خورفكان ومؤسِّسة ملتقى القراء العرب، نورة النقبي، على أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء عادة القراءة المجتمعية، مضيفة: «هدفنا ثقافي بالدرجة الأولى، وقد نجحنا في تكوين مجتمع شغوف بالكتب والقراءة، عبر ملتقى يقدم جلسات حوارية متنوعة شهرياً».
وتابعت: «لنعترف بأن الجيل الجديد نفر من وضع الثقافة في أبراج عاجية ونخبوية، لذلك نسعى اليوم، من منظورنا الخاص، إلى جعلها في متناول الجميع، عبر مناقشات قريبة من وجدان المتلقي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك