العربية نت - كرواتيا تحافظ على حظوظها BBC عربي - مفاوضات سويسرا: روبيو يستهل جولته في الشرق الأوسط بمناقشة رسوم مضيق هرمز وإجلاء البحارة الجزيرة نت - تحذيرات من كارثة وفظائع جماعية بهجوم وشيك للدعم السريع على الأبيّض روسيا اليوم - زاخاروفا: اليورانيوم المخصص لأوكرانيا قد يصل إلى مصنع في دولة ثالثة Independent عربية - تونس تؤيد حكما بسجن الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح العربي الجديد - الانتخابات الجزائرية: الكتلة الديمقراطية أمام استحقاق صعب روسيا اليوم - أسعار الذهب تهبط دون 4100 دولار للأونصة للمرة الأولى منذ 11 يونيو العربي الجديد - "الدعم السريع" تحاصر الأبيّض: عاصمة كردفان مهددة بمصير دارفور Independent عربية - عودة حركة القطارات في ألمانيا بعد عطل أصابها بشلل التلفزيون العربي - تونس.. محكمة الاستئناف تؤيد سجن الناشطة سعدية مصباح 8 سنوات
عامة

إفريقيا.. من التبعية إلى السيادة

الشروق أونلاين
الشروق أونلاين منذ 1 ساعة
1

لم يكن مؤتمر برلين، الذي التأمت جِلساته الافتتاحية في نوفمبر 1884، مجرد حدث دبلوماسي عابر في تاريخ العلاقات الدولية، بل كان بمثابة “المختبر الجيوسياسي” الذي أُعيدت فيه صياغة الهوية المكانية والسياسية ...

لم يكن مؤتمر برلين، الذي التأمت جِلساته الافتتاحية في نوفمبر 1884، مجرد حدث دبلوماسي عابر في تاريخ العلاقات الدولية، بل كان بمثابة “المختبر الجيوسياسي” الذي أُعيدت فيه صياغة الهوية المكانية والسياسية للقارة الإفريقية وفق مقاييس المصلحة الأوروبية المركزية.

ومنذ ذلك المنعطف التاريخي الذي شَهِد رسم خطوط الحدود بالمسطرة والقلم في غياب أصحاب الأرض، دَخلت إفريقيا نفقا طويلا من التبعية الهيكلية، وتحولت جغرافيتها البشرية والطبيعية إلى رقعة شطرنج مفتوحة لتقاسم النفوذ وتأمين تدفق المواد الخام نحو عواصم العالم الغربي.

واليوم، وبعد مرور قرن ونصف قرن تقريبا على تلك الهندسة العشوائية، يقف واقعُ إفريقيا المعاصر شاهدا على جدلية معقدة بين الموروث والمنبعث؛ ففي حين لا تزال الدولة الإفريقية الحديثة تُجاهد للانعتاق من ظلال مؤتمر برلين المتمثلة في معضلة الحدود الموروثة عن الاستعمار وبنية الاقتصاد التصديري الأحادي، تنبثق في الأفق مؤشراتُ تحول جذري تقوده أجيالٌ شابة ونخب طامحة إلى انتزاع السيادة الكاملة: الاقتصادية والرقمية والأمنية.

وفي ظل مناخ دولي يتسم بتعددية الأقطاب وصراع محكوم بتكالب جديد على ثروات القارة الإستراتيجية من قِبل قوى تقليدية وصاعدة، لم تعد إفريقيا مجرد ساحة صامتة للامتداد الإمبراطوري كما كانت سنة 1884، بل تحولت إلى فاعل جيوإستراتيجي حيوي، يعيد استثمار التنافس الدولي لصياغة مستقبله الخاص والتحرر التدريجي من قيود التاريخ الحتمي.

وقد شهد مؤتمر برلين في نوفمبر 1884 حضورا واسعا للدول الأوروبية، إذ شاركت فيه 12 دولة أوروبية، بين قوى استعمارية كبرى ودول ذات مصالح تجارية أو بحرية، بالإضافة إلى الدولة العثمانية والولايات المتحدة الأمريكية.

وإليك قائمة الدول الأوروبية التي شاركت في المؤتمر:القوى الاستعمارية الكبرى (المحركة للمؤتمر):الإمبراطورية الألمانية: الدولة المُضيِّفة للمؤتمر بقيادة المستشار أوتو فون بسمارك.

فرنسا: مَثّلها البارون دي كورسل.

المملكة المتحدة (بريطانيا): مَثّلها السير إدوارد ماليت.

مملكة بلجيكا: وكان لها دورٌ محوري عبر “الجمعية الدولية للكونغو” تحت رعاية الملك ليوبولد الثاني.

مملكة البرتغال: وهي من أوائل الدول التي طالبت بحقوق تاريخية في مصب نهر الكونغو.

والقوى الأوروبية الأخرى المشاركة: الإمبراطورية النمساوية المجرية، الإمبراطورية الروسية، مملكة إيطاليا، مملكة إسبانيا، مملكة هولندا، مملكة السويد والنرويج (كانتا في اتحاد سياسي آنذاك) ومملكة الدنمارك.

وإلى جانب هذه الدول الأوروبية الاثنتي عشرة، شاركت جهتان أُخريان من خارج القارة الأوروبية هما: الدولة العثمانية: باعتبارها إمبراطورية ممتدة تشرف على أجزاء من شمال إفريقيا (مثل ليبيا).

الولايات المتحدة الأمريكية: أرسلت وفدا بصفة مراقب ومشارك في صياغة بند حرية التجارة وتأمين مصالح المستكشفين.

والأطماع الغربية والدولية عموما نحو إفريقيا لا تزال قائمة وبقوة اليوم، ولكنها غيّرت ثوبها القديم.

لم يعد الأمر يتطلب جيوشا تقتحم الشواطئ أو ديبلوماسيين يرسمون الحدود بالمساطر كما حدث في مؤتمر برلين 1884؛ بل تحول الأمر إلى ما يُعرف في العلوم السياسية بـ”الاستعمار الجديد” أو “التكالب الجديد على إفريقيا”.

واليوم، تُخاض هذه المعركة بأدوات اقتصادية، وتكنولوجية، وجيوسياسية ناعمة وخشنة معا، وتتجلى في عدة مظاهر أساسية:الصراع على النفوذ والمعادن الإستراتيجية (الانتقال الطاقوي): إذا كان القرن التاسع عشر يبحث عن المطاط والذهب والماس، فإن أطماع اليوم تتمحور حول معادن المستقبل الضرورية للصناعات التكنولوجية الفائقة، والذكاء الاصطناعي، والانتقال الطاقوي (كالسيارات الكهربائية والمطاحن الهوائية):الكوبالت والليثيوم: جمهورية الكونغو الديمقراطية (ذات الحدود التي رسمها ملك بلجيكا ليوبولد الثاني في برلين) تحتوي وحدها على أكثر من 60% من احتياطي الكوبالت العالمي.

اليورانيوم والغاز: منطقة الساحل الإفريقي وشمال إفريقيا تظل محل طمع دولي لتأمين إمدادات الطاقة لأوروبا.

التبعية الاقتصادية والمالية (سلاح الديون): تتحكم القوى الغربية في القرار السياسي لبعض الدول الإفريقية عبر قنوات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

إغراقُ الدول بالقروض المشروطة بإصلاحات هيكلية قاسية يجبر هذه الدول على فتح أسواقها للشركات متعددة الجنسيات، وبيع أصولها السيادية، مما يُفقدها جزءا كبيرا من سيادتها الرقمية والاقتصادية.

التواجد العسكري المباشر (مكافحة الإرهاب كذريعة): تنتشر في إفريقيا اليوم عشرات القواعد العسكرية الأجنبية: الأمريكية، والفرنسية، والإيطالية وغيرها.

ورغم أن شعارها المعلَن هو “مكافحة الإرهاب” وحفظ الأمن في مناطق مثل الساحل والقرن الإفريقي، إلا أن دورها الحقيقي هو حماية المصالح الحيوية لهذه الدول، وتأمين طرق التجارة البحرية، والتدخُّل عند حدوث أي تهديد للأنظمة الموالية لها.

دخول قوى جديدة على خط التنافس (كسر الاحتكار الغربي): الأطماع اليوم لم تعد حكرا على العالم الغربي (أمريكا وأوروبا)؛ بل برزت قوى دولية صاعدة غيرت موازين القوى في إفريقيا:الصين: عبر مشروع “الحزام والطريق” والدبلوماسية الاقتصادية (تمويل البنية التحتية مقابل الموارد).

روسيا: عبر التغلغل العسكري والأمني (مثل مجموعات الفيلق الإفريقي/ فاغنر سابقا) ودعم بعض الأنظمة في الساحل الإفريقي التي طردت النفوذ الفرنسي.

إفريقيا اليوم تعيش نسخة مطوَّرة ومُعقَّدة من مؤتمر برلين 1884.

الفارق الجوهري هو أن القارة أصبحت ساحة صراع دولي متعدد الأقطاب، إذ تحاول القوى الغربية مستميتة الحفاظ على نفوذها التقليدي أمام الزحف الصيني والروسي، في حين تسعى النخب والشعوب الإفريقية الحية إلى الاستثمار في هذا التنافس لتحقيق استقلالها الفعلي والخروج من عباءة التبعية التي كُرست قبل قرن ونصف قرن.

إن خروج إفريقيا من هذه الدوامة الجيوسياسية والاقتصادية التي بدأت في نوفمبر 1884 ليس أمرا مستحيلا، ولكنه يتطلب تفكيكا تدريجيا لـ”البنية الاستعمارية العميقة” وتعويضها بنموذج سيادي حديث.

العلومُ السياسية والاقتصاد التنموي يطرحان اليوم خارطة طريق عمليّة تتألف من خمس ركائز أساسية لتحقيق هذا الانعتاق:الانتقال من “اقتصاد الريع” إلى “صناعة القيمة المضافة”: الخطوة الأولى لكسر إرث مؤتمر برلين هي إنهاءُ دور إفريقيا كخزان للمواد الخام غير المصنَّعة.

توطين الصناعة: يجب منعُ تصدير الثروات كالليثيوم، والكوبالت، والغاز، والذهب… في صورتها الخام، وفرض تكريرها وتصنيعها محليا مثلما بدأت تفعل الجزائر، وناميبيا وزيمبابوي.

هذا الإجراء يضمن خلق وظائف للشباب، وتحقيق عوائد مالية تضاعف الناتج المحلي الإجمالي.

السيادة التكنولوجية والرقمية: الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وبناء مراكز بيانات إفريقية مستقلة لحماية الأمن القومي الرقمي من التبعية للشركات الغربية أو الآسيوية.

تفعيل التكامل الاقتصادي الإقليمي (سوق إفريقية مشتركة): لقد قسَّم مؤتمر برلين إفريقيا إلى أسواق صغيرة ومجبَرة على التعامل مع “المتروبول” (العواصم الاستعمارية السابقة) بشكل أحادي.

منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA): تفعيل هذه الاتفاقية بشكل كامل يمثّل الرد الأمثل على تقسيم 1884.

خلقُ سوق موحدة تضم أكثر من 1.

3 مليار نسمة يرفع من حجم التجارة البينية الإفريقية التي لا تتعدى حاليا 15% مقارنة بـ60% في أوروبا، ويمنح القارة قوة تفاوضية هائلة ككتلة واحدة أمام التكتلات الدولية الأخرى.

التحرر النقدي والمالي: لا يمكن لدولة أن تمتلك قرارها السياسي وهي لا تتحكم في عملتها أو ترهن سيادتها للديون الخارجية.

إنهاء التبعية النقدية: التخلص التدريجي من العملات الاستعمارية الموروثة مثل فرنك سيفا المستعمَل في غرب إفريقيا ووسطها، واستبدالها بعملات إقليمية موحدة ومستقلة.

البدائل التمويلية الوطنية: تفعيل دور “بنك التنمية الإفريقي” وصياغة آليات تمويل داخلية للمشاريع الكبرى بعيدا عن الشروط الهيكلية القاسية لصندوق النقد والبنك الدوليين التي تُغرق الدول في فخاخ الديون.

استغلال التنافس الدولي (تعددية الأقطاب): تغيُّرُ المشهد الدولي اليوم يمنح إفريقيا هامش مناورة لم يكن موجودا في القرن التاسع عشر.

دبلوماسية التوازن الفاعل: بدلا من الارتماء في أحضان محور واحد، يتعين على الدول الإفريقية تبنِّي إستراتيجية “الند للند”.

يمكن استثمار الوجود الصيني، والروسي، والتركي لكسر الاحتكار الغربي التقليدي، واشتراط نقل التكنولوجيا وبناء البنية التحتية مقابل عقود الاستثمار.

الاستثمار في الرأس المال البشري والوعي التاريخي: السلاح الأقوى للخروج من الدوامة هو الوعي.

إفريقيا هي القارةُ الأكثر شبابا في العالم، فأكثر من 60% من سكانها تحت 25 سنة.

إصلاح المنظومات التعليمية: توجيه التعليم نحو العلوم الدقيقة، والجغرافيا السياسية، والتقنيات الحديثة، واللغات الحية، مع إعادة كتابة التاريخ الوطني لتنقية الوعي الجمعي من عقدة النقص الاستعمارية.

الاستقرار المؤسساتي: محاربة الفساد الإداري وبناء مؤسسات حكم راشد تنبثق من الإرادة الشعبية، لأن غياب الجبهة الداخلية القوية هو الثغرة التقليدية التي تتسلل منها الأطماع الخارجية.

إن إرث 1884 ثقيل لأنه حُفر في الجغرافيا والقوانين طيلة 150 سنة، لكن خروج إفريقيا من هذه الدوامة قد بدأ بالفعل؛ فالوعيُ الشعبي والنخبوي المتصاعد يُثبت أن “عقلية الضحية” تتراجع لصالح “عقلية السيادة والمبادرة”.

إفريقيا اليوم تمتلك أوراق القوة البشرية والطبيعية، لتتحول من رقعة يُلعب عليها إلى لاعب يفرض شروطه على الطاولة الدولية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك