إربد- على وقع الازدحامات اليومية وصوت الشكاوى المتكررة، ما يزال ملف النقل العام في محافظة إربد يتصدر اهتمامات المواطنين، في ظل واقع خدمي يراه كثيرون دون مستوى الطموح، رغم ما يُعلن عنه من خطط ومشاريع حكومية تهدف إلى تطوير هذا القطاع الحيوي.
اضافة اعلانورغم التعويل عليه، ما يزال مشروع النقل الحضري في إربد يراوح مكانه منذ ما يقارب 12 عاما، بعدما كانت هيئة تنظيم قطاع النقل البري أعلنت عن تخصيص 39 حافلة نقل متوسطة لبلدية إربد الكبرى لتشغيلها ضمن 9 مسارات لخدمة المواطنين في إربد.
وبحسب المواطن أحمد الخطيب، فإن معاناته اليومية مع النقل العام تبدأ منذ ساعات الصباح الباكر، حيث يضطر للخروج إلى العمل قبل وقت طويل تحسبا لأي تأخير غير متوقع في وصول الحافلات، مشيرا إلى أن غياب جدول زمني واضح يضعه في حالة من القلق الدائم، خاصة مع ارتباط عمله بمواعيد محددة.
وأضاف أن فترات الانتظار قد تمتد أحيانا لأكثر من نصف ساعة، من دون أي وسيلة لمعرفة موعد وصول الحافلة، الأمر الذي يجعله عرضة للتأخير المتكرر، وما يرافق ذلك من إحراج أمام جهة عمله، لافتا إلى أن بعض الحافلات تتجاوز المحطات من دون التوقف في حال كانت ممتلئة.
أما الطالبة الجامعية سارة أحمد، فتقول إن التنقل اليومي إلى الجامعة أصبح عبئا حقيقيا، خاصة في ظل الاكتظاظ الكبير داخل الحافلات خلال ساعات الذروة الصباحية، موضحة أن الوصول إلى مقعد داخل الحافلة بات أمرا صعبا، ما يضطرها إلى الوقوف طوال الرحلة.
وترى أن تحسين واقع النقل العام سيسهم بشكل مباشر في دعم الطلبة وتخفيف الأعباء اليومية عنهم، داعية إلى زيادة عدد الحافلات في أوقات الذروة وتوفير خدمة أكثر انتظاما تضمن وصولهم في الوقت المحدد.
وبالنسبة لخالد بني هاني، وهو سائق سابق على أحد خطوط النقل، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالركاب، بل تمتد إلى طبيعة عمل السائقين وظروف التشغيل، مشيرا إلى أن غياب الرقابة الفعلية يفتح المجال أمام بعض السائقين لتغيير مساراتهم أو اختيار خطوط أكثر ربحية.
وأضاف أن نظام العمل الحالي يدفع بعض السائقين إلى البحث عن أكبر عدد ممكن من الركاب، ما يؤدي إلى تجاوز بعض المناطق أو إهمالها، خاصة إذا كانت كثافة الركاب فيها أقل.
من جهته، يؤكد الخبير في شؤون النقل الحضري محمد أبو دلو أن أي تطوير حقيقي للقطاع يجب أن يبدأ من إعادة هيكلة شاملة للنظام، تقوم على مبدأ" النقل المتكامل"، بحيث يتم ربط الحافلات داخل المدينة مع خطوط النقل بين المحافظات ضمن شبكة واحدة واضحة ومترابطة، بدلا من الحالة الحالية التي تتسم بالتشتيت.
وأضاف أن غياب الجداول الزمنية الملزمة يعد من أبرز نقاط الضعف، إذ لا يمكن الحديث عن نقل عام فعال من دون وجود مواعيد دقيقة يمكن للمواطن الاعتماد عليها، مشددا على أن الالتزام بالوقت هو العامل الأهم في كسب ثقة المستخدمين.
ووفق أحد المختصين في اقتصاديات النقل علي حمادة، فإن الدعم الحكومي يجب أن يكون موجها بذكاء، بحيث لا يقتصر على شراء الحافلات، بل يشمل دعم التشغيل والصيانة، وربط الدعم بمؤشرات أداء واضحة، مثل الالتزام بالمواعيد ونسبة رضا المستخدمين.
ويرى أن الاستثمار في التكنولوجيا يمكن أن يشكل نقطة تحول في هذا القطاع، من خلال إدخال تطبيقات ذكية تتيح للمواطنين معرفة مواعيد وصول الحافلات بشكل فوري، إلى جانب أنظمة تتبع تضمن التزام السائقين بالمسارات المحددة، وأنظمة دفع إلكتروني تسهل استخدام الخدمة.
وفي السياق ذاته، يوضح مختص التخطيط الحضري أحمد ملكاوي، أن التوسع العمراني في إربد سبق تطور خدمات النقل، ما أدى إلى ظهور مناطق غير مخدومة أو مخدومة بشكل جزئي، مؤكدا أن أي شبكة نقل حديثة يجب أن تبنى على أنماط الحركة الفعلية للسكان، وليس فقط على التقسيمات الإدارية.
ويرى أن ما تعانيه محافظة إربد اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة من غياب التخطيط الشمولي، والاعتماد على حلول جزئية لم تعالج جوهر المشكلة.
وأشار ملكاوي إلى أن غياب الجداول الزمنية الملزمة يعد من أبرز التحديات التي تقوض ثقة المواطنين بالنقل العام، إذ لا يمكن الاعتماد على خدمة لا تلتزم بمواعيد محددة، ما يدفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة لكنها أكثر موثوقية.
بدوره، كشف مدير مكتب هيئة تنظيم قطاع النقل في إربد محمد علاونة عن إعداد دراسة شاملة لتحديد المناطق غير المخدومة في محافظة إربد، في ظل التوسع العمراني المتسارع، تمهيدا لإدخالها ضمن منظومة النقل العام.
وقال علاونة إن الهيئة تعمل على مراجعة واقع الخطوط الحالية، وإمكانية تعديل مساراتها أو تمديدها لتشمل أحياء جديدة، خاصة في المناطق الطرفية، مع مراعاة احتساب الأجور بما يتناسب مع المسافات والتكاليف التشغيلية، موضحا أن بعض المناطق يجري خدمتها حاليا من خلال تصاريح تشغيل مؤقتة، بهدف تقييم جدوى الخطوط الجديدة ومدى استمراريتها، في حين أكد أن الهيئة تسعى إلى ضمان استدامة الخدمة وعدم توقفها نتيجة ارتفاع التكاليف على المشغلين.
وفيما يتعلق بالرقابة، أشار إلى أن متابعة التزام وسائط النقل تتم عبر رصد شكاوى المواطنين، حيث يتم التعامل مع أي تقصير بالتنسيق مع الجهات المختصة، لضمان وصول الخدمة إلى جميع المناطق المحددة، لافتا إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع انتشار المركبات الخصوصية التي تعمل بشكل غير قانوني، سواء عبر التطبيقات أو من خلال مجموعات التواصل الاجتماعي، ما يؤثر على كفاءة النقل العام المنظم.
وأكد علاونة أن الجهات المعنية بدأت باتخاذ إجراءات رقابية مشددة، شملت ضبط مخالفات وإغلاق مجموعات إلكترونية تستخدم لتنظيم النقل غير المرخص، مضيفا أن مشروع النقل الحضري في إربد، بالتعاون مع البلدية، ما يزال قيد التطوير، ويهدف إلى إنشاء شبكة نقل حديثة ومنتظمة تربط مختلف مناطق المحافظة، وتعزز الربط مع العاصمة عمان، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
وقال أيضا، إن مشروع النقل المنتظم بين المحافظات والعاصمة عمان يشهد تطورا ملحوظا، ضمن خطة تهدف إلى تحسين جودة خدمات النقل العام ورفع كفاءتها، مشيرا إلى أن العمل يجري على تشغيل النقل المنتظم على خطوط رئيسية تربط محافظة إربد بالعاصمة عمان، بينما اعتبر أن هذه الخطوة تأتي ضمن مراحل تنفيذ المشروع الوطني للنقل العام، بما يسهم في توفير خدمة أكثر انتظاما واعتمادية للمواطنين.
كما بين علاونة أن المرحلة الثانية من المشروع شهدت صدور قرار من مجلس الوزراء بتاريخ 1-2-2026، يقضي بزيادة عدد الحافلات المدعومة، لا سيما على خطي إربد - الزرقاء وإربد - جرش، الأمر الذي من شأنه تعزيز القدرة الاستيعابية وتحسين وتيرة الخدمة على هذين المسارين الحيويين.
وأشار إلى أن التوسعة الجديدة ستنعكس إيجابا على واقع النقل في مدينة إربد، من خلال رفع مستوى الخدمة على الخطوط الرئيسية، وتقديم نمط نقل نوعي يعتمد على الجداول الزمنية المنتظمة، ما يحد من الازدحامات ويمنح المواطنين خيارات تنقل أكثر كفاءة.
وأكد علاونة أن هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية شاملة لتطوير قطاع النقل العام، وتحقيق التكامل بين مختلف خطوط النقل داخل المحافظة وخارجها، وصولا إلى منظومة نقل حديثة تلبي احتياجات المواطنين وتواكب التوسع العمراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك