كان التخييم في الجزائر، مع مرور السنوات الفارطة، نشاطا شبابيا موسميا، تنظمه الكشافة، أو عبارة عن رحلات مدرسية، كما أن فئة صغيرة جدا مارست التخييم كهواية، قبل أن يتحول اليوم إلى أسلوب عصري اقتصادي لقضاء العطل، تمارسه العائلات، الشباب وحتى الفتيات، هربا من ضغوط الحياة اليومية، والاستجمام في الطبيعة، بأقل التكاليف الممكنة.
على شواطئ البحر، وسط غابات الجبال الشامخات، وفي عمق صحاري الجنوب الكبير، ينمو مشهد التخييم يوما بعد يوم، ليصنع ثقافة سياحية جديدة في الجزائر، تتحدى تكاليف السفر الباهظة، وأسعار الفنادق وسوء الخدمات، إذ أصبح الشباب وحتى العائلات، يستثمرون في الرحلات المنظمة، أو في امتلاك معدات تخييم خاصة.
المواقع تستبدل ثقافة السفر بمتعة التخييم الاقتصاديمحتوى سياحي جديد، ينافس عرض الرحلات عبر الطائرة والتجول في شوارع الخليج وأوروبا، والاستجمام في بالي، وهو يجذب ملايين المتابعين والمعجبين الحقيقيين، لكونه الأقرب إلى قدرتهم المالية، وإلى ثقافتهم ونمط عيشهم.
فقضاء الليالي الساهرات حول شعلة نار على أنغام فلكلورية، أو تقاسم وليمة شواء بسيط في الطبيعة، ثم النوم في خيمة محاطة بالأخطار غير المعلنة… هي تلك المشاهد الأقرب إلى الجزائريين عبر المواقع، التي تدفع الآلاف منهم إلى تجربتها، والمساهمة في انتشارها أيضا.
تقول زهرة، أم لطفلين: “تعرضنا لمحتوى السفر باستمرار.
جعلنا نتمنى خوض التجربة عائليا.
لكن ظروفنا المادية لا تسمح أبدا.
فقررنا مرة حجز رحلة تخييم جبلية منظمة، إلى أعالي جبال البويرة.
استمتعنا بالثلوج، جلسات الشواء، والشاي، والمشي وسط الطبيعة.
منذ ذلك، قررنا تبني الأمر.
نتابع ما يتم عرضه على المواقع.
ونقتني أدوات تخييم مستعملة أحيانا.
وأصبح هذا النشاط هواية عائلية، خاصة في فصل الصيف”.
دعوات إلى التحلي بالمسؤولية البيئية والاجتماعية عند التخييمفي الوقت الذي يدعو الكثير إلى كسر الحواجز، والتمتع بالتخييم الحر في الطبيعة، يحذر ناشطون بيئيون من بعض السلوكات السلبية، التي ترافق انتشار التخييم العشوائي، مثل ترك النفايات، وإشعال النيران في الغابات دون احتياطات، أو التخييم في أماكن غير مؤهلة، والاعتداء على الطبيعة والمعالم الأثرية والمناطق الخاصة…يقول فوزي، 41 سنة، صانع محتوى سياحي توعوي على إنستغرام: “غياب فضاءات مجهزة كما ينبغي لاستقبال الراغبين في التخييم، خاصة من العائلات، لا يزال يشكل تحديا حقيقيا، خاصة مع تزايد الإقبال خلال العطل والمواسم.
لذلك، لابد من مساع جادة، للاستثمار في التخييم المنظم، من ناحية أنه عامل مهم لتنشيط السياحة الداخلية، وخلق فرص عمل جديدة.
ومن ناحية أخرى، للحفاظ على المحميات الطبيعية، وصيانة الأماكن العذراء والآثار القديمة، من بطش فئة من السياح غير المسؤولين”.
الإقبال على التخييم لا يرتبط فقط بالوضع الاقتصادي، بل يعكس أيضا نوعا من التغير الثقافي والنفسي لدى الجزائريين.
فالغالبية باتوا يستشعرون الأمان، ويبحثون عن عيش التجربة التي تقوم على المغامرة، والاكتشاف، والاستقلالية، والابتعاد عن صخب المدن، أكثر من بحثهم عن الرفاهية، ثم إن ظهور توجهات جديدة في التخييم هنا في الوطن، على غرار “الغلامبينغ” أو التخييم الفاخر في الصحراء الجزائرية، تجمع بين المغامرة والراحة والاستجمام في أجواء متطورة وغير تقليدية، أخرج فكرة التخييم من نمطيتها المعتادة المرتبطة ببعض المصاعب والمعاناة في أثناء العطلة، وجعل من هذا النشاط توجها سياحيا رائجا، يجذب إليه فئات مختلفة من عشاق المغامرة الصحراوية، الذين يحلمون بزيارة صحراء الخليج والأردن، لما تتوفر عليه من خدمات.
الإقبال الكبير على التخييم في الجبال والغابات والشواطئ، من الجنسين، ومن مختلف الأعمار، والفئات الاجتماعية، ساهم في تكثيف النشاط السياحي للنوادي والوكالات، وزيادة الرحلات والمبادرات، ما أثار نوعا من الجدل الاجتماعي حول موضوع الاختلاط، والمخاطر وغياب التهيئة، وتضاربت القناعات الدينية مع وجهات النظر المختلفة، بينما لا يزال التخييم حتى اليوم البديل الوحيد لسياحة الرفاهية، سواء داخل أم خارج الوطن، التي لا تسمح بها ميزانية الكثير من الشباب والعائلات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك